الصفحة الرئيسية

المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية:

أولاً:

1ـ  محاضرة شهر سبتمبر 2010: الاثنين6 سبتمبر الساعة 7.30م بمشيئة الله يلقى المحاضرة:

                 الباحث/ رأفت موسي

عن:         مدخل إلي الليتورجيا القبطية

 

وذلك بمقر مؤسسة القديس أنطونيوس8 (ب) ش إسماعيل الفلكي ـ ميدان المحكمة، بمصر الجديدة، سلم يمين، الدور الأول ـ ت: 22414023.

وسوف تُبث المحاضرة على الهواء مباشرة من خلال برنامج البال توك على الغرفة الجديده:  

 

Maria Ti Parthenos and Archangel Michael

PalTalk - Middle East - Christianity   

 

محاضرة شهر أكتوبر  2010: الاثنين 4 أكتوبر الساعة 7.30م بمشيئة الله يلقى المحاضرة:          دكتور/ ميشيل بديع

عن:           التمييز والإفراز عند آباء البرية

بنفس العنوان السابق.

 

  المؤتمر السنوي التاسع عشر للدراسات الآبائية، ويبدأ في 31 أغسطس وحتى 3سبتمبر 2010م، سيُعقد بمشيئة الرب بدير السيدة العذراء ببياض وسيكون عنوانه العام حول: 

                       ” الإيمان المسيحي”

 ويشمل الموضوعات التالية:

 

 

1ـ مفهوم الإيمان المسيحي          2ـ الإيمان العامل بالمحبة

3ـ الإيمان بالثالوث                   4ـ الإيمان بالابن

5ـ الإيمان بالروح القدس            6ـ الإيمان بأهمية التجسد

7ـ الرؤية المسيحية للإنسان        8ـ الإيمان بالكنيسة الواحدة الجامعة

9ـ الإيمان بملكوت الله             10ـ الإيمان بين العهدين القديم والجديد

 

 

E-mail: opcc2007@yahoo.com

Website: www.patristiccenter.org

 



التعليم عن الثالوث

بحسب الجزء الرابع من حوار حول الثالوث (الحوار الخامس) للقديس كيرلس عمود الدين

  د. جوزيف موريس فلتس

 

I ـ عقيدة الثالوث القدوس المساوي في الجوهر:

نحاول أولاً إيضاح أهمية عقيدة الثالوث القدوس لإيماننا المسيحي وحياتنا وخلاصنا وكيف علّم آباء الكنيسة ـ وبالأكثر ق. أثناسيوس ـ عنها لأن كتاباته العقيدية كانت هى المصدر الأساسي لتعاليم ق. كيرلس عن هذه العقيدة الخلاصية، بل إنّ الأخير قد اتخذ منهج ق. أثناسيوس في فهم وشرح عقيدة الثالوث ـ كما سنرى بالتفصيل فيما بعد ـ منهجًا له.

إن عقيدة الثالوث القدوس، أي الآب والابن والروح القدس، الأقانيم الثلاثة المتساوين في الجوهر وذوي القداسة الكليّة، هي الأساس الراسخ لكل فكر ديني وتقوي ولكل الحياة والخبرة الروحية؛ فالنفس المسيحية في بحثها عن الله هى في الواقع تبحث وتفتش عن الثالوث[1].

          وعقيدة  الثالوث القدوس ليست من اختراع بشر، بل هي حقيقة أعلنها الله نفسه لأجل خلاص الإنسان، أو كما يدعوها ق. غريغوريوس النيسي ب ـ "العقيدة الخلاصية"[2]، لأنها عطية الله لنا لأجل خلاصنا، وبالتالي فعقيدة الثالوث ـ مثلها مثل كل العقائد الإيمانية ـ ليست هي نتيجة لفكر بشري بل أن جذورها هى في الإعلان الإلهي، ومنه تستمد كل تعاليمها وبه ترتبط كل الارتباط. وبحسب التعليم الأرثوذكسي فإنه لا توجد عقيدة غير نابعة من ذلك الإعلان الإلهي الذي تمّ في المسيح يسوع فاَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ."[3]. والابن الذي هو كلمة الله، عندما أُستعلن، كَشَفَ لنا سرَّ الثالوث فهو الذي  أظهر لنا نور الآب وأعطانا شركة الروح القدس الحقيقية"[4]؛ لهذا فإن الإنسان لا يستطيع بقوّته أن يكتشف الحقيقة، فالعقل المحدود لا يستطيع أن يدرك الحقيقة التي هي فوق كل إدراك. وبالتالي فعقيدة الثالوث ليست هي نتيجة أفكار بشرّية وليست لها علاقة بالمعرفة والحكمة البشرّية، والمعرفة البشرّية بالتالي ليست هي مصدر عقيدة الثالوث كما أنها لا يمكن أن تَكُون حَكَمًا عليها، وأيضًا لا التاريخ ولا الخبرة الدينية يمكن أن تفعل هذا. فعقيدة الثالوث ليست هي ثمرة تجارب أو خبرات تاريخية ودينية؛ فالإنسان لا يستطيع أن يصل إلى هذه العقيدة، بل هي أُعطيت للإنسان، فأصلها أبعد من قدرات الإنسان إذ هي واقع آخر يفوق واقعه الحالي وتختلف عنه في النوع. فالمسيح الإله الحيّ هو الذي أعلن وكشف لنا عن هذه الحقيقة. وهدف كل عقيدة هي الحياة في المسيح. ولهذا فهذه العقيدة، أو بمعنى آخر هذه الحقيقة، قد أُعطيت للإنسان لكي تقوده إلى علاقة مع الله مثلث الأقانيم وشركة في حياة الثالوث القدوس كما يقول ق. يوحنا "أَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ"[5]، في الروح القدس.

   ولقد أدرك آباء الكنيسة تلك الحقيقة وعاشوها؛ لهذا نجد مثلاً أن القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات يصف عقيدة الثالوث القدوس بأنها "رأس الإيمان" ويشدّد القديس أثناسيوس أيضًا على أن الكنيسة قد تأسست على الإيمان بهذه العقيدة والتي بدونها لا يمكن أن يكون المرء مسيحيًا فيقول: " يدعونا ننظر إلى تقليد الكنيسة وتعليمها وإيمانها، الذي هو منذ البداية والذي أعطاه الرب، وكرز به الرسل، وحفظه الآباء، وعلى هذا الأساس تأسست الكنيسة ومَن يسقط منه فلن يكون مسيحيًا ولا ينبغي أن يدعى كذلك فيما بعد. إذن يوجد ثالوث قدوس وكامل يُعتّرف بلاهوته في الآب والابن والروح القدس "[6].

          لقد أوصى الرب القائم من بين الأموات، تلاميذه عندما التقاهم في الجليل بعد القيامة قائلاً: "اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ"[7]، وهذا الإيمان بالثالوث هو الذي أعطاه الربُّ وكرز به الرسل وحفظه الآباء كما قال ق. أثناسيوس، غير أن حقيقة الثالوث لم تبدأ بتجسُّد الابن الوحيد، بل هى حقيقة أبدية، إذ نجد أن في العهد القديم نصوصًا استشف منها الآباء ما يوضح حقيقة الثالوث مثل قول الربُّ في صيغة الجمع "نَخْلَقُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا"[8]، غير أنه بتجسُّد الابن الوحيد استُعلنت طبيعة الله وحقيقته، وكُشف لنا سرُّ الثالوث القدوس كاملاً.

   وبالرغم من أن الرسل قد آمنوا ثم كرزوا بما آمنوا به وعلّموا وتلمذوا كثيرين على هذه العقيدة الخلاصية، إلاّ أن عقيدة الثالوث قد تعرّضت على مر العصور الأولى للمسيحية لهجوم كثير من الهراطقة الذين علّموا بأفكار متعددة وخاطئة، فمنهم من اتَّهم المسيحيين بأنهم يعبدون ثلاثة آلهة، مثلهم مثل الوثنيين الذين كانوا يؤمنون بتعددّ الآلهة، ومنهم مَنْ أنكر عليهم إيمانهم بإلوهية الابن المتجسّد، فأنكروا علاقته الجوهرية بالآب، وغيرهم من الذين بعدما أنكروا إلوهية الابن، حاسبين إياه من بين المخلوقات، تحوّل هجومهم ضد الأقنوم الثالث فأنكروا إلوهية الروح القدس.

وهذه التعاليم الخاطئة سواء كانت ضد إلوهية الابن أو إلوهية الروح القدس، هى في الواقع موجّهة ضد عقيدة الثالوث القدوس؛ لأن إنكار إلوهية أي من الأقانيم الثلاثة هو إنكار لعقيدة الثالوث كلها حتى وإن كانت الهرطقات قد وَجَّهَتْ سهامها إلى أقنومي الابن والروح القدس فقط.

   هذا ولقد وَصَلَت هذه التعاليم الخاطئة إلى ذروتها بظهور بدعة آريوس الذي أنكر إلوهية الابن، الأمر الذي واجهته الكنيسة بكل حزم وشدّة متمثلة في موقف ق. أثناسيوس وقرارات مجمع نيقية الأول 325 م، والذي حدّد موقف الكنيسة وإيمانها بإلوهية الابن المتجسد ومساواته في الجوهر لله الآب؛ وأيضًا بظهور بدعة مقدونيوس التي أنكرت إلوهية الروح القدس فجاء انعقاد المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية 381 م ليعبّر عن إيمان الكنيسة الجامعة بربوبية الروح القدس المحيي والمسجود له مع الآب والابن. وهكذا استطاع الآباء أن يحدّدوا صياغة عقيدة الثالوث ويردوا على التعاليم الخاطئة التي علّم بها الهراطقة، سواء عن طريق الصياغة التي أقروها في مجمعي نيقية والقسطنطينية أو في كتاباتهم الدفاعية التي سجلوا فيها تعاليمهم عن إلوهية الابن وولادته الأزليّة من الآب ومساواته في الجوهر للآب والروح القدس، أو تلك التي سجلّوا فيها تعاليمهم عن إلوهية الروح القدس وانبثاقه من الآب وإرساله بالابن وأنه من ذات جوهر الآب والابن.

   ولقد كان القديس أثناسيوس الرسولي من بين هؤلاء الآباء الذين دافعوا عن عقيدة الثالوث. غير أن دفاعه عن إلوهية أقانيم الثالوث قد تميّز ببعده الخلاصي والكياني؛ فمن الواضح تمامًا أن مدخل ق. أثناسيوس إلى فهم وشرح عقيدة الثالوث القدوس كان يقوم على أساس أعمال الله الخلاصيّة والإعلانية التي تحققت في ظهور ابنه الوحيد بالجسد. ومن خلال مفهوم "هوموأوسيوس ÐmooÚsioj " كان القديس أثناسيوس يصل إلى العلاقات الأزليّة والتمايز داخل جوهر اللاهوت الواحد[9].

   لقد كان شغله الشاغل ـ وهو يرد على الآريوسيين الذين أنكروا إلوهية الابن المتجسّد ـ هو أن يحافظ على ما أتمه المسيح من أجلنا ومن أجل خلاصنا؛ فلو لم يكن المسيح هو الله بالحقيقة، كما أن الآب هو الله بالحقيقة (بسبب وحدتهما في الجوهر)، لَمَا كان في الإمكان أن يعرّفنا بالآب أو أن يفدى البشرّية من الموت والفساد، ولو لم يكن الابن هو الإله الذي تجسَّد لما كان ممكنًا ـ عندما اتحد بطبيعتنا ـ أن يعطينا الحياة الإلهية أي حياة الثالوث.

وأيضًا كان هذا البُعد الخلاصي لفهم وشرح عقيدة الثالوث القدوس واضحًا جدًا في رسائل ق. أثناسيوس عن الروح القدس والتي كتبها بين عامي 356و361 م بناء على طلب من صديقه "سرابيون" أسقف تيمي من أجل الرّد على رفض أنصاف الآريوسيين[10]، لإلوهية الروح القدس على أساس بدعة تقول إنه من "جوهر مختلف šteroÚsioj" عن الآب والابن. ولأن هذا الانحراف كان يشكّل تهديدًا واضحًا لعقيدة الثالوث القدوس وبالطبع لسرِّ المعمودية المقدّسة ـ وذلك بسبب تمزيقه لوحدة الله ـ فقد واجهه ق. أثناسيوس بنفس البراهين الخرستولوجية والخلاصيّة والكيانية التي استخدمها في جداله الطويل مع الآريوسيين[11]. وقد ظلّ على تأكيده القاطع بأنه من خلال عقيدة إلوهية الروح القدس ووحدانيته في ذات الجوهر (مع الآب والابن) يكتمل فهمنا للثالوث القدوس في فكر الكنيسة وعبادتها[12].

   فكما أننا نأخذ معرفتنا للآب من معرفتنا للابن فهكذا تمامًا ينبغي أيضًا أن نأخذ معرفتنا للروح القدس من معرفتنا للابن؛ أي من العلاقات الداخلية التي بين الآب والابن والروح القدس في جوهر الثالوث الواحد غير المنقسم[13]. وكان ق. أثناسيوس قد أقام حجته الدفاعية على أساس رؤية خلاصية، من منطلق أننا لو لم نكن في الروح القدس نُعْطَى علاقة مع الله، لما كان للإنجيل أي مضمون حقيقي وهو بالضبط ما كان سيحدث لو لم يكن الابن واحدًا في ذات الجوهر والقدرة مع الله الآب، فكل شيء إذًا يرتبط بحقيقة الوحدانية في ذات الجوهر التي للروح القدس والآب والابن. وبما أن الابن هو من جوهر الآب وخاص بجوهره، فكذلك روح الله الذي هو واحد مع الابن (وخاص به) لابد أن يكون معه (أي مع الابن) من جوهر الآب وواحد معه في ذات الجوهر[14].

 

2 ـ  تعاليم القديس كيرلس عن عقيدة الثالوث:

يواصل ق. كيرلس تعليمه عن الثالوث ـ في هذا الحوار ـ مقتفيًا آثار من سبقوه من الآباء في محاولاتهم للدفاع عن عقيدة الثالوث، غير أنه تأثر كثيرًا بكتابات القديس أثناسيوس الرسولي وخصوصًا تلك التي دافع فيها عن ألوهية الابن مثل مقالاته الثلاث ضد الأريوسين، وأيضًا تلك التي دافع فيها عن إلوهية الروح القدس مثل رسائله إلى الأسقف سرابيون[15].

   وفي هذا الحوار الخامس، يستمر ق. كيرلس في دفاعه عن ألوهية الابن، ضد كلَّ ما يدعّى أنه مخلوق إذ أن هذا الإدعاء "هو بلا سند"[16]. فالابن كما تؤمن الكنيسة ويعلّم القديس كيرلس      " لم يأت إلى الوجود في وقت لاحق"[17] بمعنى أنه أزليّ مع الآب لأن هذا معناه أن الابن "قد وُلِدَ من ذات جوهر الآب"[18] ولهذا فإنه "إله حق من إله حق"[19].

   ولقد أهتم ق. كيرلس في بداية الحوار برصد أفكار الهراطقة وإدعاءاتهم والتي يصيغها على لسان محاوره إرميا. وقد سبق أن عبّر كيرلس عن رأيه فيما يقوله إرميا بقوله: "قل ما شئت إذًا، ولن اعتبر ما تقوله هو تعبير عن إيمانك بل هو يمثَّل آراء المخالفين"[20].

   وتمثَّلت هذه الآراء كما رصدها ق. كيرلس وعبّرت عنها أسئلة أرميا كالآتي:

1ـ عندما نقول إن الابن هو الإله الحقيقي وإنه واحد مع الآب في الجوهر، فإن مَنْ له هذه المكانة يجب عليه أن يتفاخر بما لديه، بدلاً من أن يلمع بأنوار مجد غريب عنه. (ص2).

2ـ إن كان الابن بقوله إنه هو الإله الحق وهو واحد مع الآب في الجوهر فلابد أن يكون له من ذاته ما يجعله إلهًا، ولابد أن يفتخر بهذا الذي له وليس بما للآب. (ص3).

3ـ إن ما يبدو أنه يخص الابن قد حصل عليه من الآب كعطيّة إلهية. (ص3).

4ـ إن الابن قال أنه يُعطي حياة ويُمجَّد ويتقدّس بواسطة الآب، وأنه قد قام في اليوم الثالث بقوة الله الآب. (ص3).

4ـ إنه دعيّ إلهًا بالمشاركة وأنه يَسجُد للآب مثلنا ويخضع له معنا معترفًا بملكه وسلطانه. (ص3).

5ـ إن كل ما يليق بالله هو صار للابن عن طريق المشاركة فقط. (ص19).

6ـ الابن ليس هو صورة وشبه جوهر الآب، بل أن له نفس الإرادة وبالتالي ينسب وحدة الإرادة هذه (وليست وحدة الجوهر) فإن مَن يرى الابن يري ـ بطريقة ما ـ الآب نفسه. (ص26).

7ـ كيف نصبح نحن على صورة الله؟ (ص32).

8ـ مَنْ سيكون على "رسم" آخر فهو لن يوجد بالقطع من نفس أقنومه، ولا يمكن أن يكون له اقنومه الخاص، لكنه يُدرك فقط من خلال ذات أخرى، فلو أن الابن يوجد في الآب "كرسم" حسب ما تعتقدون فالابن إذن لن يكون له كيانه الخاص. (ص34).

9ـ إن حياة الابن قد أُظهِرت من أجلنا، إذ هو ختم الآب الحي وصورته الحقيقية، فإن كان الأمر هكذا فلماذا يتقبل الابن الحياة من الآب. (ص37).

10ـ كيف يكون الابن مساويًا للآب حتى ولو كان قد دُعيّ انه هو الحياة؟ (ص43).

11ـ إن سلطان الدينونة قد أختص به الله وحده حسب الناموس: لأنه قال "لأن القضاء لله" فهو قد قبل كإنسان ما تميّز به الله. (ص47).

12ـ إن الآب قد أعطى الحياة للابن. (ص48).

13ـ كيف أعطى الآب الحياة للابن طالما أن المسيح قد قام بقوته الذاتية. (ص49).

14ـ لو كان الآب يَهْبُ كلَّ القدرة للابن كما يقال، باعتباره مساويًا له، فكيف يتحقّق ما قد قاله الابن بوضوح: "لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي"[21] وأيضًا عندما قال: "إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُــــــمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ "[22]؟ لأنه أعترف أن الآب هو إلهه. (ص53 ـ 54).

15ـ ماذا ستقول لو قالوا إنه حسب المكتوب إن الآب، أنه قد أَعَطَى الابن إسمًا فوق كل اسم؟. (ص55).

16ـ القديس بولس الرسول يقول الابن قد وُجِدَ قبل الخليقة أما أنه كان هو الله، فهذا أمر غير واضح بالنسبة لهم، لأنه ـ حسب رأيهم ـ لم يكن إلها وصار إلها. (ص59).

17ـ ".... قل لي كيف يمكن للمرء أن يفهم ويدرك ما قاله المسيح" أني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم، وكيف يدعو الله أنه هو أبيه؟. (ص66).

18ـ إن لم يكن ينقص الابن أي شيء ويُدرَك على أنه هو الله، مثل الله الآب، وأنت تقول أنه مساوٍ له وليس أقلَّ منه في شيء، إذن لماذا يقول هو نفسه: " أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي"[23]؟. (ص71).

19ـ هل أخطأ الابن بقوله "أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي"؟ (ص72).

20ـ الابن هو إله أقل بينما الآب هو إله أعلى. (ص75).

21ـ الابن أقلَّ (من الآب) لا من الجهة الجسدّية لأن هذا غير ممكن، لكنه بسبب أنه لا يملك ما للآب. (ص76).

22ـ أين تتضح المساواة في الجوهر طالما أن الابن يخضع للآب ويطيعه كما يقول القديس بولس: ومتى أُخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل؟ (ص76).

23ـ إن أمر خضوعه يعرض الابن للشك في قدرته الكاملة. (ص88)

24ـ ما هو الخضوع الذي يمكن أن يحدث؟ (ص94).

كما رصد ق. كيرلس هنا أيضًا ما تزرّع به الهراطقة دائمًا ويستندون عليه فكتب: "وهم يقولون أن كل هذا قد تعلّموه من الأقوال الإلهية (الكتب المقدَّسة)[24]. وحقيقة الأمر أن القضّية لا تكمن في نصوص الكتب المقدَّسة عينها بل في الطريقة التي تقرأ بها وتفسّر هذه النصوص". فقد ظلّت مشكلة التفسير الصحيح للكتاب المقدس حادة حتى القرن الرابع الميلادي أثناء صراع الكنيسة مع الآريوسيين بل أن حدتها لم تَخَفَ عمّا كانت عليه في القرن الثاني أثناء مقاومة الكنيسة لهرطقات الغنوسية وأتباع سابيليوس ومونتانوس، فكل أطراف النزاع احتكمت إلى الكتاب حتى أن الهراطقة جميعهم قد استشهدوا بفصوله وآياته" (كما يذكر ق. كيرلس على لسان إرميا) واحتكموا إلى سلطانه وكان التفسير في تلك الفترة أهم منهج لاهوتي ولعله كان المنهج الوحيد وكان سلطان الكتاب مطلقًا وساميًا[25].

وفي مقابل موقف الهراطقة هذا من "الأقوال الإلهية" نجد أن ق. كيرلس يواجهه هذا الموقف بقوله لإرميا "وآسفاه يا إرميا. إن هذا الكمَّ من التجديف قد أحاط بالحقيقة، محاولاً تشويهها، غير أنه من الواضح أن الوقت أصبح مناسبًا أن نلبس نحن أيضًا درع الرب وسيف الروح أي نتسلح بكلمة الله ونسلك بكل شجاعة وبدون خوف على الإطلاق"[26] لأن هذا سيقود "كل من لديهم حكمة في الفكر والقول أن يفهموا الأحداث في الزمن المناسب لها"[27]. وهكذا يمكن فهم وتفسير الآيات التي اعتمدوا عليها وأساءوا فهمها فهمًا صحيحًا[28].

وللرِّد على كل هذا الكَّم من التجديف" يسوق ق. كيرلس نصوصًا مناسبة من الكتاب المقدس، على ان أكثر النصوص المستخدمة هي من إنجيل يوحنا اللاهوتي نظرًا لطبيعة هذا الإنجيل وتوَّجه القديس يوحنا في بيان طبيعة الكلمة المتَجسَّد، وأيضًا من رسائل معلّمنا بولس الرسول الذي يلقَّبه دائمًا بـ "كليَّ الطوبى" والذي تحدَّث باستفاضة عن "الابن الوحيد" وإخلائه لذاته.

ولمعرفة ق. كيرلس بموقف "المعاندين" من هذه الآيات بالتحديد، فقد اجتهد هنا أن يفسَّرها حسب إيمان وتقليد الكنيسة ومَنْ سبقوه في التعامل معها من الآباء المعلَّمين، معطيًّا إياها أبعادها اللاهوتية التي تؤكد كما جاء في عنوان هذا الحوار أن كلَّ خواص الألوهة ومجدها هي كائنة بطريقة طبيعية في الابن، كما في الآب.

هذا ويمكن تقسيم نص هذا الحوار لسبعة محاور تحت هذه العناوين:

1ـ هل الابن يحصل على ما يخصه من الآب؟ (ص1).

2ـ الابن قبل وبعد الإخلاء. (ص4).

3ـ عودة إلى الموضوع الرئيسي.

(رد على الإدعاء بأن كل ما يليق بالله قد صار للابن عن طريق المشاركة فقط). (ص19).  

4ـ الابن هو صورة وختم الآب. (ص26).

5ـ هل يستمد الابن الحياة من الآب؟ (ص39).

6ـ شرح الآيات: " أبي أعظم مني"، " أبي وأبيكم، إلهي وإلهكم". (ص53).

7ـ معنى خضوع الابن النهائي للآب. (ص86).

 

II ـ عمل الابن المتجسد فينا يشهد لألوهيته:

وهنا يتبع ق. كيرلس نفس المنهج اللاهوتي الخلاصي الذي استخدمه في الحوار الثالث[29]. والرابع[30] بمعنى أنه كان يدافع عن إلوهية الابن وبالتالي عن أقانيم الثالوث من خلال إيضاح عمل الفداء الذي أتمه الابن المتجسد من أجلنا ومن أجل خلاصنا. فلقد أوضح أنه إن لم يكن الابن ربًا وإلهًا، لما أستطاع أن يأخذ ما لنا ويهبنا ما له.

وهكذا تصبح عقيدة الثالوث التي نؤمن بها واقعًا حيًّا وملموسًا في حياتنا، بواسطة عمله فينا، هذا من جهة ومن جهة أخرى يمكننا أن نشهد من خلال أعمالنا وسلوكنا أن ما نؤمن به هو الله الواحد الآب والابن والروح القدس.

ولقد استعان ق. كيرلس في هذا الحوار بنصوص كتابية كثيرة رأى فيها دليلاً واضحًا على إلوهية الابن المولود من جوهر الآب من خلال عمله الخلاصي فينا وأن مَنْ يعمل فينا هذه الأعمال الخلاصيّة لا يمكن بأي حال من الأحوال ـ مثلما جاء في عنوان هذا الحوار ـ ألاّ تكون كل خواص الإلوهية كائنة فيه بطريقة طبيعية كما في الآب.

وهذه الآيات هي:

 

1ـ " بِمَا أَنَّكُم أَبْنَاء أَرْسَل الْلَّه رُوْح ابْنِه إِلَى قُلُوْبِكُم صَارِخا " يَا أَبَّا الآب"[31].

يرى القديس كيرلس في قول القديس بولس الرسول هذا إثباتًا واضحًا لإلوهية الابن المتجسد فهو "ربنا" وهو الذي "بطبيعته ابن الله بالحقيقة" ولأجل هذا فهو الذي يجعلنا أن ندعو به الآب آبانا، والدليل على أننا صرنا بواسطة الابن الذي هو واحد مع الآب والروح القدس في الجوهر، هو أن الروح القدس يسكن فينا جاعلاً إيانا أن نصرخ إلى الآب قائلين يا أبا الآب، فيقول ق. كيرلس "ولأنه صار إنسانًا مثلنا في كل شيء ووضع نفسه، لهذا فقد خضع لله وبالتالي فكان يجب عليه يسلك حسب معايير الإخلاء، ولهذا سُمّى معنا "ابن الإنسان" وهو الذي بطبيعته ابن الله بالحقيقة وهو أيضًا ربنا، وخلاف ذلك فإننا نحن أيضًا ندعو الله أبًا لنا. ونحن نكتسب هذه الأحقيَّة لأن الابن قد شابهنا في كلِّ شيء، وذلك لأن الابن يحلّ ويسكن فينا بواسطة أبيه والذي فيه وبه ندعو الآب أبانا، وكتعبير دقيق على أننا أبناء الله، فإن الروح القدس يسكن فينا ويشكلّنا على صورة الابن، وهذا ما يوضحه ق. بولس بقوله: " بِمَا أَنَّكُم أَبْنَاء أَرْسَل الْلَّه رُوْح ابْنِه إِلَى قُلُوْبِكُم صَارِخا: يَا أَبَا الآب"[32]

والجدير بالذكر أن ق. كيرلس سبق أن استخدم نفس هذه الآية في حواره الثالث[33] في سياق حديثه عن بنوّة الابن للآب وهل هي حسب الطبيعة أم أنها بالتبني وأنها هبة الروح القدس. فيوجّه كلامه للمعارضين سائلاً إياهم "أود أن أسألهم عن طريقة التبني هذه وكيف حدثت وأيضًا عن بنوته هو وبنوتنا نحن، لأننا ورثنا أن نكون أبناء، ولسنا نحن الذين نقول كيف صرنا أبناء لكن القديس بولس هو الذي علّمنا ذلك عندما كتب "بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب".

ويخلص ق. كيرلس إلى نفس النتيجة التي يذكرها هنا في هذا الحوار قائلاً: "وهذا معناه: نحن نقول أننا دعينا إلى البنوة الروحية وذلك بسبب أن الابن يسكن في داخل قلوبنا بطريقة لا توصف بواسطة الروح القدس"[34].

وبينما يُجمل ق. كيرلس في هذا الحوار الخامس تعليمه عن التبّني موضحًا الفرق بين طبيعة الابن الإلهية وطبيعتنا المخلوقة فيقول "إن التبني هو عطية محبة الله للبشر، لأننا بالفعل نحن أرضيين حسب الطبيعة غير مولودين من الله حسب قوانين الولادة العادية، ولكننا بالتبني الذي صار لنا من خارجنا يجب أن ندعو الله أبانا[35]"، نجده في الحوار الثالث يستطرد في استخدام آية بولس الرسول هذه لإثبات أن عمل الابن المتجسَّد فينا ودعوتنا للتبني تشهد على إلوهيته وإنه مساوٍ للآب في الجوهر وأن طبيعته لا تماثل طبيعتنا المخلوقة في شيء، وذلك أمام المعارضين، فيقول: "أنتبه إذًا يا صديقي إلى النتيجة التي يمكن أن يصل إليها الحديث عن الابن الوحيد لو أنه أصبح مساويًا لنا نحن الذين دعينا للبنوة[36]. لأنه لا يمكن أن يصير الإنسان المخلوق أبنًا إلاّ عن طريق ابن الله وبواسطة نعمة الروح القدس وهذا ما يؤكده الرسول بولس[37]. فإن كان الأمر هكذا ففيمَن سيصير الابن أبنًا هو أيضًا؟ لأني لا أعتقد أنهم سيقولون إنه صار أبنًا بذاته في ذاته على الرغم من أنه حُسِبَ بين الذين قد دعوا أبناء بالتبني طالما أنه ـ حسب فكرهم ـ قد أستبعد عن أن يكون أبنًا حقيقيًا بالطبيعة"[38].

 

2ـ " خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي"[39].

آية أخرى وجد فيها ق. كيرلس شاهدًا لعمل الابن المتجسد فينا ورعايته لنا إذ نحن خاصته الذين يعرفهم ويهبهم حياة أبدية إذ هو ربّ الحياة الذي يحمي "غنم يده" من الهلاك. ولا يستطيع أحد أن يخطفهم من يده، إذ هم محفوظين في "يد الآب" أيضًا.

وهنا نجد ق. كيرلس يربط ما جاء في مزامير داود "هلّم نسجد ونركع ونجثو أمام خالقنا. لأنه هو إلهنا ونحن شعب مرعاه وغنم يده"[40] وما جاء في آية إنجيل يوحنا وذلك ليبيّن وحدة الجوهر الإلهي للآب والابن والتي تتضَّح في عمل الابن الخلاصي في خليقته فيرد بهذا على مَنْ لا يؤمنون بإلوهية الابن وبإنه مساوٍ للآب والروح القدس في الجوهر، والذين يدعَّون أن الابن كان غير محق أن يدعو مَنْ يؤمنون به بأنهم خرافه هو وكان الأجدر به أن يدعوهم خراف الآب، على أساس أن الابن ـ حسب اعتقادهم ـ ليس إلهًا حقيقيًا مثل الآب. فيقول: "إذن لاحظ إن الابن قد دَعى "غنم يده" إنها هي مِلكه ولقد حملنا نير العبودية له إذ أنه قال "خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ". إذن نحن خراف الله الآب. وبالمثل نُسمَّي خراف وغنم الابن ... إذن كيف لا يكون الابن مساويًا للآب وهو الذي له نفس القدرة على كلِّ شيء وما تملكه يدُّه، تملكه يد الآب وكيف لا يمجدّ مع الآب؟ أم هل تستطيع أن تفكر أو تقول شيئًا يمكن أن يميّز مجد الآب أو ينقص من مجد الابن، لأن هذا لا يمكن أن يحدث بدون أن تُمس المساواة بين الآب والابن؟"[41].

3ـ " مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ؟ اَللهُ هُوَ الَّذِي يُبَرِّرُ. مَنْ هُوَ الَّذِي يَدِينُ؟ اَلْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي مَاتَ، بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضًا، الَّذِي هُوَ أَيْضًا عَنْ يَمِينِ اللهِ، الَّذِي أَيْضًا يَشْفَعُ فِينَا"[42]،" فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ"[43].

وإلوهية الابن المُتجسَّد ووحدته في الجوهر مع الآب والروح القدس تتضَّح أيضًا ليس فقط من خلال أعماله المعجزَّية التي أتمها حال تَجسُّده بل أيضًا في أعماله الخلاصيَّة إذ هو الديَّان وغافر الخطايا. وإذ فهم ق. كيرلس كيف يفكَّر المعارضين وكيف يحسبون الابن أقلَّ من الآب، بل وضمن المخلوقات فإنه يتساءل في استنكار "هل يا ترى من سلطة الآب فقط القدرة على غفران سقطاتنا ومحو خطايانا الثقيلة؟"[44]. وإذ يُدرك خطورة هذا الإدعاء فإنه يُحذّر هؤلاء المعاندين قائلاً "كيف لا يكون من الخطر أن يتجرأوا على أن يجرَّدوا الابن من هذه السلطة وهو الذي له ما للآب ـ بقولهم كاذبين ـ إنه لا يستطيع هو أيضًا أن يغفر خطايا من يريد؟"[45]. ولتدعيم دفاعه استعان ق. كيرلس بهاتين الآيتين من رسالة ق. بولس إلى أهل رومية الذي "يوضح أن الابن هو مَنْ سيقوم بهذا العمل العظيم ولأنه يعترف بقدرته على أن يبرّر كل مَنْ يؤمن به"[46]. فالتبرير إذن هو فهل إلهي يتمَّمه الآب كما يتمَّمه الابن أيضًا في أولئك الذين يؤمنون ولهذا يتابع ق. كيرلس قوله "لأن إيماننا هو الذي يصالحنا بالله ويجعلنا قريبين منه بواسطة الابن والإيمان يبررنا. وهذا التبرير لا يأتي جانب منه من الله الآب وجانب آخر منه أيضًا بصفة خاصة من خلال الابن. بل أن التبرير الذي يأتي من الآب هو نفسه يُعطى من الابن"[47]. وبسبب وحدة جوهر الآب والابن فإن "التبرير الذي يمنحه الابن، يجب أن نقبله على أنه هو عطيَّة من الآب أيضًا"[48]. ويوضح ق. كيرلس عملاً خلاصيًا آخر يقوم به الابن كونه هو الخالق الشريك مع الآب"[49]،هو أن الابن كما له "السلطان أن يأتي بالكائنات إلى الوجود أي تلك التي ليست لها خالق آخر سواه"[50]. هكذا بالتمام "تحيا به كل النفوس التي تترك عنها وبحرّيتها شهواتها القديمة، وتقبل أن تعيش تلك الحياة الجديدة وتعود إلى طبيعتها الرائعة[51].

4ـ"كَمَا يُحَرِّكُ النَّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ، وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ وَيَأْخُذُهَا وَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنَاكِبِهِ"[52]، " يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا"[53].

تمثل أحداث العهد القديم نموذجًا لعلاقة الله بشعبه تجلّت فيها، في مواقف عديدة، عنايته الفائقة ورعايته رغم عنادهم وعدم طاعتهم، الأمر الذي تجده مُعبَّرًا عنه في كثير من نصوص العهد القديم في تشبيهات وصور بلاغية. ومن بين تلك النصوص ما كتبه موسى النبي في سفر التثنية عندما "وصف عناية الآب بشعب إسرائيل رغم أنه كان معاند وغير مطيع تلك العناية التي هي من فوق قائلاً: " كَمَا يُحَرِّكُ النَّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ، وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ وَيَأْخُذُهَا وَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنَاكِبِهِ"[54]. وعندما جاء الابن في الجسد، إلى خاصته والتي لم تقبله، نجده وقد اتخذ موقفًا ضد أفعالهم  فحذرهم بقوله "يَا أُورُشَلِيمُ، يَا أُورُشَلِيمُ! يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا"[55].

ويرى ق. كيرلس في موقف عناية الله الآب في العهد القديم وموقف الابن تجاه ما يفعل دليلاً على إلوهية الابن ومساواته للآب في الجوهر فيقول "وبدون أن نفعل شيئًا من تلك الأشياء التي لا نرغب فيها، إلاّ أننا لن نتسرَّع بالطبع ونقول إن الآب لم يتخذ موقفًا ضد ما نفعل. أو أن نقول إنه أمر جيَّد أن يُمجَّد الابن فقط بسبب أنه اتخذ موقفًا ضد ما يفعله البشر لكن نقول إن الآب والابن هما واحد في الجوهر كما أن الألوهة هي واحدة وبسيطة[56] وهذا يجعلنا نفهم أن الله الآب يعمل بالابن وهكذا نستبعد فكرة أن الآب أعلى من الابن أو أن الابن أقلَّ من الآب، وهكذا لا نحرم على الإطلاق الابن المولود من الآب من أن يكون له نفس مجد الآب. لأن الآب يعمل من خلال الابن باعتباره قوَّته الذاتيه الفعّاله إذ هو إله من إله وهو كائن معه من حيث الطبيعة مع أنهما متمايزان من حيث الأقنوم"[57].

 

5ـ " الْتَفِتُوْا إِلَي و اخْلُصُوا يَا جَمِيْع أَقَاصِي الأَرْض لأَنِّي أَنَا الْلَّه و لَيْس آَخَر. بِذَاتِي اقْسَمْت خَرَج مِن فَمِي الْبَر وَكَلامِي لا يَعُوْد دُوْن أَن يَتَحَقَّق "[58].

لقد كان تدبير خلاص البشرية أمرًا إلهيًا فائقًا فلو لم يكن الابن المتجسد إلهًا لما استطاع أن يخلّص الجميع وينشر البر" ويقنع كل يوم ـ بكيفية غير منظورة ـ الجموع من كل المسكونة ليقبلوا الإيمان به ويطيعون تعاليمه"[59].ولهذا يرى ق. كيرلس في نبوءة إشعياء تحقيقًا لهذا الفعل الخلاصي وأن مَنْ قام به لا يمكن ألاّ يكون هو الله وحده فيقول معلقًا على هذه الآية "فهل تستطيع أن تنسب لآخر غير الابن أن كلامه أقوى من أن يعود فارغًا أو أنه هو مجد الآب الذي يستطيع أن يدعو ويخلّص كل البشر في أقاصي المسكونة وأن ينشر البر"[60]. وعليه فإنه ما يدعيّه المعارضين بقولهم إن الابن أقل في طبيعته من الآب وأن مجد الآب يفوق مجد الابن فيتساءل مستنكرًا "فهل يمكن أن يكون من اللائق أن ننسب لطبيعة الابن ـ بصفة عامة ـ أمورًا أقل طالما أن طبيعته تتصف بنفس الخصائص ولها نفس المجد (الذي للآب)؟.

6ـ " أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ"[61].

موقف آخر ألتقطه ق. كيرلس من حياة الابن المتجسَّد وعمله الذي يشهد بإلوهيته، ألا وهو عنايته الفائقة ليس فقط بالبشر الذين خلقهم على صورته ومثاله، بل بكل المخلوقات الأخرى. فيرى القديس كيرلس " أن تدبير كل الخليقة هو من عمل الآب والابن على التساوي"[62]. ودليله على هذا ما جاء في حديث المسيح مع تلاميذه وقوله لهم عن الآب "أليس عصفوران يباعان بفلس؟ وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم" فإن كان هذا هو دور الله الآب في العناية حتى بأصغر الطيور، فإن دور العناية المتماثل الذي يقوم به الابن تَمثَّل في حادثة كورة الجرجيسيين. فيقول ق. كيرلس " والابن أيضًا يستطيع أن يقدّم هذه العناية الفائقة التي تشمل جميع المخلوقات حتى التي لا تذكر منها وهذا ما نراه يحدث عندما جاء المسيح إلى كوره الجرجسيين، وطَرَدَ من المجنونين الأرواح الشريرة التي أطاعت أوامره الإلهية وطلبوا منه أن يذهبوا ليتملكوا على الخنازير[63] ثم أن مَنَ يملك كل شيء تحت قدميّه، قد سمح لهم وأمرهم أن يمضوا إلى الخنازير، ففعلوا، وإذ قطيع الخنازير كله قد أندفع من على الجرف إلى البحر ومات في المياه[64]. والآن، قل لي هل أعطى المسيح لهذه لأرواح النجسة التصريح أن يفعلوا ما يريدون مع أنها أرواح لا تريد إلاّ الشر؟! سيكون من المستغرب جدًا أن يفكر أحد هكذا، لكن كان من الضروري أن ندرك وبطريقة عملّية أن الابن يعتني بالجميع مثله مثل الآب تمامًا، وحتى يكون من الواضح في كلّ أمر جمال وبهاء مساواة الابن للآب في الجوهر"[65].

وإذ يشهد ق. كيرلس بألوهية الابن المتجسد فإنه يُمجَّده مع الآب والروح القدس قائلاً إن هدف الابن "أن يُكرِم الآب لأنه قد وُلِدَ منه حسب الطبيعة وهو مساوٍ له في كل شيء وواحد معه في الجوهر ولا ينقصه شيء على الإطلاق، وفيه وله المجد والإكرام مع الآب والروح القدس إلى الآبد آمين"[66].

 



[1]  The Faith, Clark Cariton, Salisbury, AM, 1997, p. 53.

[2] رسالة 24: PG. 46,1089A.

[3] يو 1: 18.

[4] هكذا نصلّي في القداس الغريغوري.

[5] 1يو 1: 3.

[6] الرسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، ترجمة د. موريس تاوضروس د. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية 1994. الرسالة الأولى: 28.

[7] مت 28: 19.

[8] تك 1: 26.

[9] Tomas F. Torrance, The Trinitarian Faith, T.&T. Clark, Edinburgh, 1988.   p. 305

أي أن ق. أثناسيوس كان يبدأ في إيضاح عمل الله التدبيرى ـ في حياة الإنسان ـ بواسطة المسيح، ومن المسيح ـ الأقنوم الثاني ـ يَصِل بعد ذلك من خلال مصطلح "الهوموأوسيوس" (الوحدانية في ذات الجوهر الذي للآب والابن والروح القدس) إلى العلاقات الأقنومية داخل الثالوث؛ أي العلاقات الداخلية في جوهر الله الواحد.

[10] كان يتزعمهم يوسابيوس أسقف قيصرية، أصروا على التمَييّز المشدّد بين الآب والابن، رفضوا مصطلحات مجمع نيقية واعتبروها سابيلية؛ ولأنها لم تَرِدْ في نصوص العهد الجديد، إلاّ أنهم كانوا على استعداد لقبول معنى التساوي في الجوهر ÐmooÚsioj لكن بتعبير مخالف لهذا تمسكوا بالتعبير "مماثل للآب في كل شيء " وأنكروا فيما بعد، ألوهية الروح القدس.

[11] انظر "الرسالة الأولى إلى سرابيون": 2.

[12]  T.F. Torrance, Ibid. p. 306.

[13] انظر: الرسالة الثانية إلى سرابيون: 3 ـ 4، "الرسالة الثالثة": 1.

[14] T.F. Torrance, Ibid. p. 306.

وأيضًا: ق. أثناسيوس، "الرسالة الأولى إلى سرابيون" 4 ـ 14، 23.

24 ولقد أشرنا في الهوامش إلى النقاط التي يتضّح فيها هذا التأثير ويمكن الرجوع إلى الفهرس الملحق بالكتاب صـ 106 للوصول إلى النصوص المستخدمة بسهولة.

[16] ص1.

[17] ص1.

[18] ص1.

[19] ص1.

[20] حوار حول الثالوث: للقديس كيرلس عمود الدين. ترجمة د. جوزيف موريس فلتس. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ج2. ط2، مارس 2006. ص38.

[21] يو14: 28. لقد علّم آريوس وأتباعه بأن الابن مخلوق منكرًا هكذا ولادته الأزليّة من الله الآب معتبرًا إياه قمة المخلوقات البشرَّية وبالتالي فهو أقلَّ من الآب، وفي هذا أعتمد على تفسيره الخاطيء لهاتين الآيتين وغيرهما. ولقد فنَّد القديس أثناسيوس كلَّ تعاليمه وأدانه المجمع المسكوني الأول في نيقيه 325م مُقرًا بألوهية الابن المتجسد وإنه واحد مع الآب في الجوهر، وحَرَمَ كل كتاباته التي ردَّ عليها ق. أثناسيوس في مقالاته "ضد الآريوسيين" والتي أصدرها المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية في ثلاث كتب. 

[22] يو20: 17.

[23] يو14: 28. هذه آية أخرى أرتكز عليها آريوس وأتباعه وقد أساءوا فهمها ولقد عمل ق. أثناسيوس أولاً على تفنيد مزاعهم وتفسير هذه الآية والآيات الأخرى، تفسيرًا سليمًا يحفظ العلاقة الجوهرية للابن بالآب ويثبت إلوهيته. انظر: المقالة الأولى ضد الآريوسيين: مرجع سابق فقرة: 58، المقالة الثالثة، مرجع سابق فقرة: 7. ولقد خصص ق. كيرلس مساحة وافية من كتابه: عن شرح إنجيل يوحنا، لشرح هذه الآية بالتفصيل، إذ يذكر تحت عنوان " في أن الابن ليس أقلَّ من الآب في أي شيء، بل هو بالحري مساوٍ له ومن نفس طبيعته" يقول: {فرغم من أنه قد يُظَن أن الآب أعظم من الابن من جهة أن الآب ظلّ في بيته الأبدي إلاَّ أن الابن احتمل الإخلاء والتنازل الإرادي إلى الوضاعة البشرّية، آخذًا صورة عبد، ثم صعد ثانية إلى مجده الذاتي وسمع الكلمات: " أجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطًا لقدميك" (مز1:109س). ولكي لا يبدو الله الآب أنه ليس بإرادته الذاتية جعل الابن يجلس عن يمينه؛ فإن الآب يقول هذا " أجلس عن يميني" كما يقول المرنم في المزمور، وأي إنسان ذو عقل لا يقول إن الآب له المكان الثاني من الكرامة رغم أن الابن جالس عن يمينه، بل بالحري سيأخذ ما قد قلته في الاعتبار . فليس الآب بل بالحري الابن ـ بسبب تنازله الإرادي وآلامه ـ هو الذي نعرف عنه أنه جالس عن اليمين ويملك مكانًا لا يمكن أن يُفهم منه أنه في وضع أقل، حتى يُعَد بين الكائنات= =الأقل كما يَظُن أولئك الذين لا يستطيعون أن يفهموا سّر تجسده لذلك فإن مكان الجلوس عن يمين أبيه قد خُصص للابن لكي تتأكد مساواته للآب". شرح إنجيل يوحنا. ترجمة د.نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، القاهرة، اغسطس 2008، الجزء الثامن، ص156.

[24] ص1.

[25] د. جوزيف موريس فلتس: المواجهة العملّية للتيارات النقدية المعاصرة والتي منها "مدارس تفسير ونقد العهد الجديد" دراسات آبائية ولاهوتية. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ـ السنة السابعة. العدد 13. يناير 2004 ص85.

[26] ص3.

[27] ص6.

[28] سبق أن رصد ق. اثناسيوس، موقف الهراطقة هذا فكتب يقول: "والآن فما قلناه يكفي لكي يبرهن على سوء فهمهم للآيات التي تعلَّلوا بها وأن ما يتعلَّلون به الآن من الأناجيل فهم بالتأكيد يعطونه تفسيرًا غير صحيح ويمكننا أن نرى هذا بسهولة إذا وضعنا أمامنا= =كهدف ذلك الإيمان الذي نمسك به نحن المسيحيون وأن نستخدمه كقاعدة انظر: ضد الآريوسيين المقالة الثالثة: 8.

[29] انظر: الحوار حول الثالوث. ج2، ص24م وما بعدها.

[30] انظر: حوار حول الثالوث: ج3 ص35 وما بعدها.

[31] غل 6:4.

[32] ص69.

[33] انظر الحوار حول الثالوث (الحوار الثالث). ج2. ط2، ص61.

[34]  المرجع السابق ص61.

[35] ص70.

[36] حسب اعتقاد المعاندين.

[37] غل6:4.

[38] حوار حول الثالوث. ج2. ط2. ص62.

[39] (يو27:10ـ28).

[40] مز21:123 (س).

[41] ص 79. هنا يكرر ق. كيرلس استخدامه لنفس هاتين الآيتين من سفر المزامير وإنجيل يوحنا واللتين استخدمهما في حواره الثالث. انظر ج2. ط2. ص76ـ77.

[42] رومية 33:8ـ34.

[43] رومية 1:5.

[44] ص81.

[45] ص81.

[46] ص82.

[47] ص82.

[48] ص82.

[49] تَرْد هذه الجملة في صلاة الصلح للابن. انظر: القداس الغريغوري. الخولاجي المقدس. دير البراموس. ط2، 2002، ص316.

[50] ص82.

[51] ص82.

[52] تث 11:32.

[53] مت37:23ـ38.

[54] تث11:32.

[55] (مت37:23ـ38).

[56] انظر ص29، 68، 82.

[57] ص83.

[58] إش 22:45ـ 23 (س).

[59] انظر ق. أثناسيوس: تَجسُّد الكلمة: ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ط6، 2009، فصل 30 فقرة 4 ص93.

[60] ص84.

[61] مت 29:10.

[62] ص85.

[63] انظر من8: 32.

[64] انظر مت8: 24-28.

[65] ص86.

[66] ص95.