المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية
www.patristiccenter.org

تعاليم آبائية

 

أفعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة[1]

للقديس يوحنا ذهبي الفم

    " أفعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة". عندما لا يقدر الشيطان أن يحولنا عن عمل الخير، يريد أن يحرمنا بطريقة أخرى من مجازاتنا. لذلك فهو يعرض علينا إما الزهو أو القنوط، وإذا لم يكن شيء من هذه، فالدمدمة (التذمر)، وان لم تكن هذه فالمشاحنة. لاحظ إذًا كيف أن بولس ينقي هذه الأشياء. فقد تحدث عن الإتضاع في كل ما قاله ناقضًا الزهو، وتحدث عن هذا قائلاً: " ليس فقط حينما أكون حاضرًا بينكم"، وهنا يتكلم عن الدمدمة (التذمر) والمشاحنة. فلماذا وهو بصدد نقض هذه الشهوة، يذكِّر بالإسرائيليين في حالة الكورنثيين، أما هنا فلم يقل شيئًا من هذا، وإنما فقط يأمرهم بذلك؟ لأنه في الحالة الأولى قد حدث ما أستدعى أن يضرب بصورة أقوى وأن يكون التوبيخ أشد، ولكن هنا ينصحهم حتى لا يحدث ما حدث عند الكورنثيين. فبالنسبة لهؤلاء الذين لم يخطئوا بعد، لم يكن من المفيد أن يستخدم معهم ضربة شديدة حتى يحافظ عليهم، كما حدث في حالة نصْحِه بالتواضع فلم يذكر المثال الوارد بالكتاب المقدس، حيث يُعاقب المتكبرون، وإنما قدم الوصية الإلهية، وتكلم معهم كمن يتكلم إلى أحرار، كأبناء حقيقيين، وليس إلى عبيد. لأنه في موضوع الفضائل نجد أن الإنسان الحكيم والنبيل يتأثر بنماذج هؤلاء الذين يفعلون حسنًا، أما غير الحكيم فيتأثر بأولئك الذين لا يفعلون ذلك، الواحد بالكرامة والأخر بالعقاب. لأجل هذا نجد أن بولس الرسول حينما كان يكتب إلى العبرانيين، أشار إلى عيسو كمثال، قائلاً: " الذي لأجل أكلة واحدة باع بكوريته". وأيضًا "وإن أرتد (البار) لا تسَرُّ به نفسي"[2]. وبين الكورنثيين كان هناك كثيرون يزنون، ولأجل هذا نجده يقول: " أن يُذِلَّني إلهي عندكم. إذا جئت أيضًا وأنوح على كثيرين من الذين أخطأوا من قبل ولم يتوبوا عن النجاسة والزنا والعهارة التي فعلوها"[3].

    " لكي تكونوا بلا لوم، وبسطاء". أي غير مغلوبين وأيضًا صرحاء، لأن الدمدمة (التذمر) تحدث أثرًا (سلبيًا) كبيرًا. ماذا يعني بقوله "ولا مجادلة"؟ ربما يعني شيئًا حسنًا، أو سيئًا؟ يقول لا تشك، حتى وإن كان هناك ألم أو عناء أو أي شيء آخر. لم يقل لكي لا تجازوا، لأن المجازاة تكون لكل من يفعل ذلك، وهذا يتضح في رسالته إلى كورنثوس، أما هنا فلم يقل شيء من هذا، وإنما قال: " لكي تكونوا بلا لوم، وبُسطاء، أولادًا لله بلا عيب في جيل مُعَوَّج ومُلتو، تضيئون بينهم كأنوار في العالم. متمسكين بكلمة الحياة لإفتخاري في يوم المسيح" (في15:2ـ16).

    أترى كيف يعلِّمهم ألا يتذمروا؟ فالتذمر هو سمة للعبيد غير الشاكرين عديمي الإحساس. أخبرني عن ماهية هذا الابن، الذي يتذمر ثم في نفس الوقت يعمل في شئون أبيه، ويعمل لفائدته الخاصة؟! فكر أنه لأجل نفسك تتعب، ولأجل نفسك تجمع. أما التذمر فهو وصف هؤلاء الذين يتعبون لأجل الآخرين، حين يعملون لأجلهم. أما ذلك الذي يجمع لأجل نفسه، فلأي سبب يتذمر؟ هل لأجل أن ثروته لا تزداد؟ هذا ليس ممكنًا. إذًا فذلك الذي يعمل شيئًا بإرادته وليس عن اضطرار، لأي سبب يتذمر؟ من الأفضل ألا نعمل شيئًا، عن أن نعمله بتذمر، لأنه بذلك ينهار العمل الذي تم. ألا ترى أن في منازلنا أيضًا نقول ذلك دائمًا ، إنه من الأفضل ألا نعمل هذه الأشياء بدلاً من أن نعملها بتذمر. حقًا فإن التذمر أمر سيء، إنه قريب للتجديف، فلأي سبب تمت معاقبة هؤلاء (المتذمرين) بشدة؟ لأن الأمر يتعلق بالجحود. فذلك الذي يتذمر هو جاحد من نحو الله. وهذا الجاحد هو بالتالي مجدِّف. لأنه حقًا حينئذٍ ستكون هناك تجارب ومخاطر الواحدة تلو الأخرى، فلا توجد أية راحة أو استرخاء. بل شرور كثيرة من كل جهة، ولن يوجد سلام عميق، أما الآن فتوجد حياة مريحة (بدون تذمر).

    لأي سبب إذًا تتذمر؟ هل لأنك فقير؟ فكر في أيوب. هل لأنك مريض؟ فلماذا مرضت، بعدما عَرِفت نفسك خيرات كثيرة جدًا وأعمال مبهرة، كما هو الحال بالنسبة لهذا القديس؟ فكر مرة أخرى في أيوب، لأنه لوقت طويل كان ممتلئًا بالدود وجالسًا فوق الرماد ليحك قيح جراحه. "فقالت له امرأته: أنت متمسك بعد بكمالك؟ بارك الله ومُت!"[4]. هل مات لك ابن؟ فماذا لو فقدت كل أولادك بميتة شريرة، كما حدث لذاك؟ لأنكم تعرفون أنه حينما يجلس أحد ما بجانب المريض، يغلق فمه، وعينه، يلمس ذقنه، ويسمع كلماته الأخيرة، وينال عزاءًا كبيرًا. ولكن شيء من هذا لم يُمنح لهذا الإنسان البار، بل كل شيء كان يختفي في نفس الوقت. ولماذا أتكلم عن هذه الأشياء؟ فماذا لو تلقيت أمرًا، كما هو الحال بالنسبة لذاك المطوب أب الآباء، أن تذبح ابنك وأن تقدمه ذبيحة وتراه وهو يُحرق بالنار؟ فكيف يكون شعورك بإقامة المذبح، ووضع الحطب، وربط الصبي؟ ولكن هل يلومك البعض؟ وبماذا تشعر لو أنك سمعت هذا من الأصدقاء الذين أتوا للمواساة؟ لأننا الآن لدينا خطايا كثيرة ونلام بعدل، ولكن ذاك كان صادقًا، بارًا، خائف الله، مبتعدًا عن الأعمال الشريرة، وكان يسمع من الأصدقاء عكس ذلك.

    أخبرني، وماذا لو كنت تسمع زوجتك تُعيِّرك قائلة: " أنا أتجول أخدم من مكان لمكان ومن بيت لبيت، أنتظر متى تغرب الشمس لكي أستريح من أتعابي وآلامي التي تنتابني"[5]. ولأي سبب تقولين هذا، يا قليلة العقل؟ هل حقًا زوجك هو السبب فيما حدث؟ إنه الشيطان وليس هو. تقول المرأة: " بارك الله ومُت!"[6]. إذا فعل ذاك كما قُلتِ، فهل ستصبحين أفضل؟ لا يوجد مرض أكثر رعبًا من مرض أيوب، حتى ولو ذكرت من الأمراض  ما لا يحصى. لقد كان مرضه إلى الحد الذي لم يكن يستطيع معه أن يبقى حتى في بيته، إلى درجة تمنع الآخرين من الاقتراب منه. فإن لم يكن لديه مرض عضال، لما كان يجلس خارج المدينة، في حالة أسوأ ممن هم مصابون بداء الفيل. لأن هؤلاء يدخلون إلى منازلهم، ولهم علاقات فيما بينهم، أما هو فيمضي ليلته في القرية جالسًا على الرماد عاريًا، ولم يكن يستطيع حتى أن يرتدي رداءه. كيف هذا؟ ربما كان ذلك يزيد من شدة آلامه. فهو يقول " لبس لحمي الدود مع مدر التراب. جلدي كرِش وساخ"[7]. لقد صار جسده قيح ودود وهذا الأمر إستمر لوقت طويل.

    أرأيت كيف أن كل منا يسمع هذه الأمور، فيصير كمن يتخدر؟ فإن كنا لا نحتمل مجرد سماع هذه الأمور؟ فكيف نحتمل أن نراها؟ وإن لم نكن نحتمل أن نراها، فبالأحرى تكون غير محتملة حينما تُصيبنا. ولكن هذا البار قد عانى منها، ليس ليومين أو لثلاثة أيام، وإنما لوقت طويل، ولم يخطئ ولا حتى بالكلام. وهل هناك مرض آخر أكثر قسوة يمكن أن يُسبب آلام كثيرة مثل تلك التي لأيوب؟ ألم يكن إذًا ذلك المرض أسوأ من الإعاقة؟ يقول: " ما عافت نفسي أن تمسَّها (الأطعمة) هذه صارت مثل خُبزي الكَريه!"[8]. وليس ذلك فقط، بل حتى ذاك الذي يمثل بالنسبة للآخرين راحة، أي الليل والنوم، لم يحمل له أي عزاء، وإنما كان أكثر رعبًا من أي عذاب. " تريعني بالأحلام وترهبني برؤى، إذا أضطجَّعت أقول: متى أقوم؟ الليل يطول وأشبع قلقًا حتى الصبح"[9]. وهو لم يتذمر. ولم يكن هذا فقط وإنما رأى الكثيرين الذين اعتبروا أنه مرتكب لشرور كثيرة، والتي بسببها يعاني ذلك. هذا إذًا بالإضافة إلى الأصدقاء الذين قالوا له: " الله يُغرِمُك بأقل من أثمك"[10]. لأجل هذا نجده يقول:    " وأما الآن فقد ضحك علىَّ أصاغري أيامًا، الذين كنت أستنكف من أن أجعل آباءهم مع كلاب غنمي"[11]. ألم يكن هذا أكثر سوءًا من ميتات كثيرة؟ ومع ذلك وعلى الرغم من الهجوم الذي كان عليه من كل مكان بواسطة العواصف الشديدة، حينما ثار عليه شتاء مخيف، إلا أنه ظل ثابتًا في وسط الغيمة، والعاصفة، والصاعقة، والدوار، والزوابع، كما لو كان يتمتع بهدوء وسط بحر مضطرب، ومرعب، ولم يتذمر. وهذا قبل النعمة، وقبل أن يُقال شيء عن القيامة وعن جهنم والجحيم والعقاب.

    ولكن نحن الذين نسمع أقوال الأنبياء والرسل والإنجيليين، ونرى العديد من الأمثلة، وأخبرنا عن القيامة، فلا نصبر. بالطبع قد يفقد شخص ما أموالاً، إلا أنه لم يفقد أبناءًا أو بناتًا كثيرات هكذا، وإن فقد فربما لأنه أخطأ، وأما ذاك (أيوب) فقد كل شيء حتى الأبناء هكذا، فجأة بينما كان يقدِّم ذبائح وكان يعبد الله، وإن فقد المرء أبناء وأموال كثيرة معًا، وهو أمر مستحيل، إلا أنه لم يعاني من قرحة، ودائمًا يحك قروحه، ولكن حتى لو ذلك حدث، فليس لديه مَن يتدخل في شئونه ويلومه، وهذا بالطبع ما يثيرنا دائمًا أكثر من كل المصائب التي تقع لنا.

    لأنه إن كنا نضطرب حتى وإن كان هناك مَن يواسينا في مصائبنا، ويشجعنا لنتمسك بالرجاء الصالح، فكم يكون الحال لو كان لأحد من يلومه على هذه المصائب. فإن: " انتظرت رقَّة فلم تكن ومعزين فلم أجد"[12]، إنه أمر مرعب وغير محتمل أن تجد بدلاً من هؤلاء الذين يعزونك، الذين يلومونك، فكم يكون هذا سيئًا؟ " مُعَزون مُتعِبون كُلكُمُ!"[13]. فإن كنا نفكر دائمًا في هذه الأمور وإن كنا نحسب الأشياء هكذا، فلن يحزننا أي شيء من الشرور الحاضرة، ناظرين إلى ذاك المناضل، إلى تلك النفس المستقيمة، إلى هذا العقل الثابت القوي. لأنه كان كمن له جسد نحاسي أو حجري، فكان يعاني كل شيء لكن بشجاعة وجلد.

 

                                                     X X X                                                    

 



[1] من تفسير رسالة بولس الرسول إلي أهل فيلبي للقديس يوحنا ذهبي الفم ـ الجزء الثاني ـ العظة التاسعة،  ترجمة الباحث جورج ميشيل ومراجعة د. سعيد حكيم، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، أبريل 2010م.

[2] عب16:12، 38:10.

[3] 2كو21:12.

[4] أي9:2.

[5] أي 9:2س.

[6] العبارة التي سبقتها تبين مدى سخرية المرأة حيث قالت "أنت متمسك بعد بكمالك؟ بارك الله ومُت!" (أي9:2).

[7] أي5:7.

[8] أي 7:6.

[9] أي14:7، 4.

[10] أي6:11.

[11] أي1:30.

[12] مز20:69.

[13] أي2:16.