| المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية |
| www.patristiccenter.org |
همسة
مالي ولكِ يا إمرأة
د. جورج عوض إبراهيم
ماذا يعني تعبير المسيح "مالي ولكٍ يا إمرأة. لم تأت ساعتي بعد " يو 2 : 4. هل هذا التعبير يدل علي غياب أو نقض إحترام تجاه أمة ؟ ما هي " ساعة " يسوع ؟
إن عدد يو 2 : 4 من الأعداد التي تُسبب حيرة ودهشة لقُراء العهد الجديد. هنا نري الطريقة القاسية التي أجاب بها يسوع أمة رافضاً دعوتها بأن يصنع معجزة. وهذا هو سبب الحيرة والدهشة. بالنسبة للمؤمن, السؤال الذي يفرض نفسه هو جوهري : هل من الممكن أن يتصرف الرب يسوع كإبن غير مطيع لأمه, الأم التي كُرِمت من الكنيسة الأرثوذكسية بكرامة أكثر من أي إنسان آخر ؟
المستوي التفسيري الأول والذي يتعلق بعدد يو 2 : 4 يخص سؤال يسوع الغامض " مالي ولكِ يا إمرأة " والذي وجهّه إلي أُمة كرد علي ملاحظتها بأن " ليس لهم خمر ". تعبير " مالي ولكِ " هو معروف في اللغة السامية, ويُستخدم في العهد القديم لكي يُظهر الهوة الشاسعة والتي لا تُعبر بين أثنين يتحدثان معاً, وأيضاً يصعب أن يصنعا شركة فيما بينهما :
أنظر علي سبيل المثال : قضاة 11 : 12 " فأرسل يفتاح رُسُلاً إلي ملك بني عمون يقول مالي ولك أنك أتيت إليّ للمحاربة في أرضي "
1 ملوك 17 : 18 : فقالت لإيليا ( الأرملة من صرفة ) مالي ولك يا رجل الله. هل جئت إليّ لتذكر إثمي وإماتة إبني "
2 ملوك 3 : 13 : " فقال أليشع لملك إسرائيل. مالي ولك. أذهب إلي أنبياء أبيك وإلي أنبياء أمُك "
هكذا تعبير يدل علي أن أمه ليست في وضع أن تُريه متي يجب أن يتدخل لعمل فعل معين. كما لو كان يدل علي رفض قاطع لدعوة أمه أن يتدخل لكي يحل مشكلة نقص الخمر. هنا يبدو أن يسوع مستقلاً عن أي تحريض بشري أو رغبة بشرية. هو بكونه إله يستطيع أن يقرر متي وكيف سيفعل.
المسافة بين رغبة الأم البشرية وسلطانه الإلهي أشبة بهوة لا تُعبر. وتعبير " يا إمرأة " يُشدد بالأكثر علي هوة هذه المسافة. هذا التعبير يمثل نداء محترم للنساء في ذلك العصر, مثل تعبير " يا سيدتي " اليوم, ويبدو أنه غير مناسب حين يستخدمه إبن تجاه أمه. وهُنا الغرض هو التشديد علي الهوة الكيانية العميقة التي تفصل يسوع بكونه إله عن أمة. كذلك تعبير يسوع " لم تأت ساعتي بعد " يدل علي أنه في الوقت الحاضر, لا يوجد أي رجاء في التدخل لكي يمنح الخمر.
هذا التعبير " لم تأت ساعتي بعد " يعني أن يسوع يري أنه لم تأت بعد الساعة لكي يصنع المعجزة ويُظهر ـ هكذا ـ هويته الحقيقة, بمعني إلوهية شخصه. ولا يبدو أن المسافة بين الإبن يسوع وأمه تتجاوب مع رغبة أمه, وهكذا يرفض طلبها. لكن في نفس الوقت يظهر في الأفق عنصر الشركة العميقة بين الشخصين [ الإبن وأمه ]. ومن الواضح أن أم يسوع عرضت عليه المشكلة وهي عارفة أنه هو الوحيد الذي يستطيع أن يعطي الحل. والأهم من ذلك أن يسوع أدرك ما الذي تطلبه أمه بدون أن تعبر عنه بوضوح.
هكذا إنتصرت الشركة العميقة ليسوع وأمه علي الأمر الواقع, علي الرفض الظاهري للتدخل, حين أمرت الخدام أن ينفذوا أي أمر يقوله لهم. لقد أدركت أمه ـ بالرغم من أنه لا توجد دلالات واضحة من أقواله ـ بأنه هو الوحيد الذي يستطيع أن يفعل المعجزة. وحقاً لم يرفض يسوع تماماً تحقيق رغبة أمه وحوّل الماء إلي خمر.
إن عدد 2 : 4 ـ تحت نور الشركة العميقة بين يسوع وأمه ـ يحتوي علي مفهوم أعمق. طبعاً تعبير " مالي ولك " يُظهرِ المسافة الكيانية بين الكلمة الأزلي وأمه الأرضية, كذلك أيضاً يدل علي أنها ليس لديها ما تفعله بخصوص عمل إبنها الخلاصي. لكن يبدو ـ بعد ذلك ـ أن لديها ما تفعله لأن كلامها يُطاع. فيسوع يحفظ بكونه إله حرية أفعاله المطلقة, لكن أمه لها دالة عنده.
وكلمة " إمرأة " تُظهرِ المسافة وكذلك الإحترام. فالكلمة الأزلي بواسطة هذا التعبير يعلن إحترامه وتقديره للمرأة التي أخذ منها طبيعته البشرية.
كذلك تعبير " لم تأت ساعتي بعد " تخص مستوي ثانٍ للقراءة, ليس فقط ساعة المعجزة لكن بالحري ساعة آلام يسوع والذي هو بمثابة إعلان ذاتي للمسيح للعالم بحسب يوحنا الإنجيلي ( راجع يو 7 : 30, 8 : 20, 12 : 23 .13 : 01 16 :32 . 17 : حيث أيضاً كلمة " ساعة " تخص آلام يسوع ) المعجزة تمثل خطوة تجاه ظهور يسوع الذاتي التام, كذلك تتحقق في بداية عمله الجهاري وبينما ساعته لم تأت بعد, إلا أنه غريب بالنسبة للمعطيات البشرية طريقة الحضور بالفعل هذا, لأن يسوع وهو يحول الماء إلي خمر يُظهِر الوفرة والملء ونوعية عطيته الجديدة والمحيية هكذا " لم تأت ساعتي بعد " لا يجب أن تُفهم فقط كإعلان للمسافة بين يسوع وأمه لكن أيضاً كإعلان الخاص لها فيسوع يعلن لأمه بالأقوال والأفعال أنه " تأتي ساعة وهي الآن " ( يو4 : 23 ) بواسطة الألم الخلاصي تأتي لكن في معجزاته قبل الألم هي حاضرة بالفعل.
إذن عدد يو2 : 4 لا يوحي في أي حالة ـ غياب أو نقص إحترام وتقدير من جانب يسوع تجاه أمه. فالتعبير, من جهةٍ يُظهِر المسافة الفاصلة بين الإله الأنسان والأنسان,, وكذلك يشير ظاهرياً بأنه يرفض طلب أمة. ومن جهة أخري, يُظهِر التعبير العلاقة العميقة للشركة بين الإبن وأمه, وكذلك يمنح يسوع أمه ما طلبته. بالضبط هذه هي خبرة الكنيسة الأرثوذكسية والتي بمقتضاها تحتل شفاعة والدة الاله مكانه هامة في مسيرة المؤمنين تجاه الخلاص والكمال المسيحي.