| المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية |
| www.patristiccenter.org |
أبحاث لاهوتية
حوار بين أبينا القديس كيرلس والأب إرميا
الحوار الأول[1]
الابن أزلي مع الله الآب ومساوٍ له في الجوهر
مقدمة: الأب إرميا وغِيرَته اللاهوتية[2].
كيرلس: نحن لم نرَ الأب الموقر إرميا لا بالأمس ولا أول أمس ولعله فضّل ألاّ يخرج إلى ساحة المدينة ومكث فى البيت، ربما دفعه الشتاء إلى عدم الخروج ولقد أحسن الصنع، والآن لقد خرج مع ظهور الطقس الجميل.
إرميـــا: حقًا قلت، فالشيخوخة دائمًا فترة حرجة والشيخ يتردّد كثيرًا قبل الخروج من البيت وخاصة حينما تكون السماء ممطرة.
كيرلس: نستطيع بكل محبة وصراحة أن نشبِّهك بسمك البحر فحينما تهب ريح شديدة تحرك الأمواج، تجتمع الأسماك معًا على هيئة سرب واحد في التجاويف التي في أعماق البحار، وتدخل فيها كما في غابة أو حرجة الأشجار، وتأكل من النبات الكثيف الذي تجده. ولكن بمجرد أن تشرق أشعة الشمس على المياه، وحينما ترى هذه الأشعة كإبتسامة على وجه البحر كله، تدخلها الشجاعة وتخرج على قمة الأمواج تاركة وراءها الخوف والتردد.
إرميــا: هذا هو ما يحدث لي تمامًا وهو لا يخفى عليك أيها الصديق العزيز.
كيرلس: وعلى حد علمى فأنت الآن بعيد عن ضجيج الناس والمشغوليات وذهنك فى حالة استجمام.
إرميــــا: وما الفائدة من ذلك؟
كيرلس: الفائدة عظيمة وتليق بالقديسين، وهل هناك حياة هادئة ومستقرة بدون ثمر؟
إرميــــا: إن نوعية الحياة أهم من طولها.
كيرلس: إن كلام الله في المزمور الذي ترتّله على القيثارة يثبت صحة ما تقول.
إرميــــا: عن أى مزمور تتكلّم؟
كيرلس: "كُفُّوا وَاعْلَمُوا أَنِّي أَنَا اللهُ"[3]. إن العيون الجسدية تبصر جيدًا الأشياء التي تَعبْر أمامها، إذا كانت خالية من العوائق مثل التراب والدخان وكل ما يشوّش الرؤية، ولكن إذا أصابتها الأوجاع فإنها لا تبصر بوضوح وتعوزها الرؤية الثاقبة للأمور وهذا ينطبق على فكر الإنسان. ففكر الإنسان المستقر والهادئ والبعيد عن التخيّلات غير النقيّة، تكون نظرته حادة ونافذة وسيتعرّف على الكائنات معرفة بدون خطأ. ولكن إذا تشوش بالأهواء[4] فإنه سيصير عاجزًا عن رؤية الجمال الإلهى وسوف يسكن وسط الأشياء الأرضية.
إرميــــا: بالصدق تتكلّم.
كيرلس: سأقول لك إنك تتكلّم الحق، وذلك لأن اقتناء العطايا الصالحة النازلة من فوق، من الله، ليس بالأمر الذى يتم بدون معاناة، وهذا الأمر واضح للجميع وذلك لأن الأمور الفائقة وتلك التي عظمتها هى في السماء ليس بالأمر المتاح لكل من يُظهر مجرد الاشتياق لكنها تقتنى بالجهد وهى أمور صعبة المنال إذ هى مليئة بالصعوبات والتعب.
إرميـــا: إذن، ماذا يمكن أن يفعله أولئك الذين يرغبون بغيرة صادقة أن يكتشفوا كل هذه العطايا وخاصة أنه حسب قولكم، ليس بالأمر السهل؟
كيرلس: ليس أمامهم إلاّ أن يطيعوا أقوال القديسين الذين صرخوا عاليًا "وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللَّهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلاَ يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ"[6].
وبكل تأكيد فالنور الإلهى الروحانى سوف ينير لمن لا نور له، والحكمة سوف تجعل من لا حكمة له، حكيمًا، ومن ينقصه الوعى، أكثر وعيًا. والنور والحكمة هما المسيح "الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ"[7] لأنه حسب قول المغبوط بولس فإن الله الآب "أَنْقَذَنَا مِنْ سُلْطَانِ الظُّلْمَةِ، وَنَقَلَنَا إِلَى مَلَكُوتِ ابْنِ مَحَبَّتِهِ"[8]، ولقد سمى أحد القديسين هذا النور بزوغ النهار وكوكب الصبح حينما قال "إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ"[9] وهو يعنىـ حسب اعتقادى ـ بانفجار النهار وطلوع كوكب الصبح، الاستنارة فى الروح بالمسيح.
إرميــا: لا يوجد أحد يشك فى أن المسيح هو النور وهو النهار وهو كوكب الصبح، وخاصة هؤلاء الداخلين ليصيروا مختارين بالإيمان (الموعوظين). وإذا سألناك أن تشرح لنا عقيدة الإيمان بطريقة مبسطّة وسهلة الفهم، هل ستوافق أم سترفض وتعطى الفرصة للمتشككين لكى يفتخروا على شيخوختى؟ ويجب ألاّ نعطى أى اهتمام للآراء الباطلة التى يروجها بعض الناس والتى يهدفون من ورائها إلى تزّييف الحق الإلهى وتحويله حسب خيالاتهم، ويتجولون كسرب من النحل يجول فى المدن والقرى محدثًا طنينًا كثيرًا "يَتَكَلَّمُونَ بِرُؤْيَا قَلْبِهِمْ لاَ عَنْ فَمِ الرَّبِّ"[10].
كيرلس: كم تعجبنى فيك هذه المحبة الإلهية التى لا نظير لها ولذلك أرجوك ألاّ تتخلى أبدًا عن هذه الاستقامة فى الرأى وهى الجديرة حقًا بالإعجاب. ومن يستحق غيرك أيها الصديق فى أن يستمتع بالمحبة الإلهية؟! ولست أدّعى أننى سأقول شيئًا أفضل من الذى قاله أسلافنا أو أنى سوف أسبر غور الأمور الروحية بشكل أحسن، لأننا نجد كفايتنا فيما كتبه الآباء القديسون، لأن من يقرر أن يتعّرف بحكمة على الآباء و يستعمل كتاباتهم بالحرص الواجب فسوف يسكن النور الإلهى فى عقله، لأنه حسب كلام المخلّص "لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ"[11]. وذلك لأن "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ"[12]، أليس كذلك يا صديقى؟
إرميـــا: نعم ما تقوله صحيح. و لكن إذا أصابك التردّد ولم يكن لديك رغبة في التعاون معنا، أي إذا أغلقت فمك فسوف نصاب نحن بالشلل، وأخشى ما أخشاه أن يصير قولك إن الآباء قد كلّمونا بطريقة كافية ومُرضِية مجرّد حجة، لكى تمتنع عن أن تكلّم الذين يشتاقون إلى الاستماع إليك حول موضوعات الإيمان. وأنا بدوري لن أمدحك أبدًا على هذا المسلك، وألزمك أن تجيب على أسئلتى.
كيرلس: حول أى موضوع تريد سؤالى أيها النبيل؟ ولا تحاول الضغط بشدة على ذكائى المتواضع.
إرميـــا: إن هدفى ليس هو الضغط عليك وإن كان يجب أن أفعل اكثر من ذلك، في تلك الأمور التي أرى إنه من الضروري أن أسألك فيها.
كيرلس: اطرح أسئلتك الآن إذا كنت تعتقد إنك يجب أن تفعل ذلك.
إرميـــا: إذا أراد أحدنا أن يرعى الخراف والماعز فى الريف ألا تعتقد أنه يحتاج إلى عصا الراعى ومجموعة من الكلاب المدرّبة، لكى من ناحية يحمى نفسه فى حالة إذا ما هجم عليهم وحش مفترس، ومن ناحية أخرى فإن نباح الكلاب يحمى القطيع؟
كيرلس: هذا صحيح .
إرميــا: فإذا قام الراعىـ بمرور الزمنـ بإحضار كلاب أخرى محل الكلاب التى ماتت، هل تعتبر أن سهر ونباح الجيل الثانى من الكلاب ليس له فائدة لأن الجيل السابق من الكلاب كان شجاعًا ومتفوقًا؟!
كيرلس: وكيف نجرؤ على القول بأن شيئًا نافعًا لا فائدة له؟
إرميــا: أظن أنك تنسحب لكى تبقى بلا لوم وتتركنى أمام كتابات الآباء فقط، موحيًا بذلك أننا لا يجب أن نبذل جهدًا مثلهم، وأن لا نجاهد مسنودين بمحبة الله، بينما الهراطقة الأشرار المتوحشون يفترسون النفوس البسيطة بدون أن يقف أمامهم عائق ولا مانع.
قانون إيمان مجمع نيقية واصطلاح "`ομοούσιος" أي ”المساوى فى الجوهر”:
كيرلس: أشعر أن كلامك قد شجّعنى وأضرم فىَّ رغبة شديدة للعمل.. هيّا بنا.. ولكن دعنا نبدأ بعرض الإيمان كما حدّده بدقة وعرضه بكل وضوح المجمع المقدّس والمشهور الذى انعقد فى الوقت المناسب في مدينة نيقيا وسنفحص، إذا أردت، بكل وضوح ما هو الأمر الذي يبدو وكأنه راسخ بالنسبة لأولئك الذين يفضلّون أن يكون لهم أيمان مختلف، لأن من يقول إن الإيمان الذي قد تحدّد وعُرِضَ بشكل فائق وبحسب مشيئة الله في هذا المجمع المقدس العظيم، هو أساس وقاعدة ثابتة تسند نفوسنا، هو شخص يتكلّم بالصواب ويُمتدح من المسيح وهو شديد الإيمان وعابد حقيقي.
دعنا نذكر الإنجاز العظيم لهذا المجمع، وهو قانون الإيمان الذى قدّم لنا مفاهيمًا إيمانية صادقة، وهكذا فإن الذين ينتقدوننا لن يجدوا فى النهاية أى دافع يثير شوقهم لأن يتكلّموا ضدنا، وكأننا نتبع عقائد غريبة تاركين الطريق الملوكى لكى نتلّفت يسارًا ويمينًا حسب شهوتنا الخاصة. وهذا حسب رأيى يعبّر عن مرض عقلّى ليس من السهل الشفاء منه، لأن الحكمة التى بلا فحص هى عرضة للانحراف، كما هو مكتوب.
وها هو عرض لما نؤمن به:[13]
"نؤمن بإله واحد، الأب ضابط الكل، خالق كل ما يرى وما لا يرى. وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد المولود من الآب أى من جوهره، إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق واحد مع الآب فى الجوهر[14]
"والذين يقولون إنه كان هناك وقت، لم يكن فيه الابن موجودًا وأنه قَبْل ولادته لم يكن موجودًا أو أنه صار من العدم، أو أن الابن من جوهر أو أقنوم آخر، أو أنه مخلوق، أو أنه تعرّض للتغّير والتحوّل، هؤلاء جميعًا تحرمهم الكنيسة الجامعة الرسولية"[15].
إرميـــا: يا للحذق الذى بلا عيب وما يؤدي إليه من سمو. إن كل من نطق بمثل هذه الكلمات يستحق أن يُدعى ابن الرعد[16] لأنه نطق بشيء رائع وفائق.
كيرلس: إذن فرؤيتى للأمور صائبة وقد بذلت ما فى وسعى وأشعر أن الواجبـ الذى ألقىّ على عاتقى وقَبِلَته بكل سرورـ هو أن نحفظ ما كشفه الروح لنا وأنت تعلّم ذلك جيدًا.
إرميـــا: هذا الكلام صحيح جدًا ولكن بالمقابل يجب أن نقنع الناس أن يفكروا بنفس الطريقة، فهم مثل العجول المسمّنة التى تنحرَف عن القطيع كله فهؤلاء قد إمتلأوا من السفاهة وصاروا يندفعون بطياشة إلى كل ما يوافق رغباتهم. ولكي يصلوا إلى ذلك فهم يتركون المرعى الخصيب الذي يحوى أفضل وأكمل طعام، لينخرطوا في أحاديث حمقاء لمعلّمين كذبة[17]، تدمي كأشواك. وهذا هو الذي جعل الحكمة نفسها تقول في حزن شديد عن هؤلاء: "التَّارِكِينَ سُبُلَ الاسْتِقَامَةِ لِلسُّلُوكِ فِي مَسَالِكِ الظُّلْمَةِ، الْفَرِحِينَ بِفَعْلِ السُّوءِ، الْمُبْتَهِجِينَ بِأَكَاذِيبِ الشَّرِّ، الَّذِينَ طُرُقُهُمْ مُعْوَجَّةٌ، وَهُمْ مُلْتَوُونَ فِي سُبُلِهِمْ"[18].
كيرلس: لقد حكمت بالصواب ويجب أن نبكى على هؤلاء قائلين مع النبي "يا ليت رأسي ماء وعيناي ينبوع دموع لأبكى ليلاً نهارًا على شعبي"[19]. وكيف لا نبكى نهارًا وليلاً على ذلك الذي يكون أمامه فرصة اختيار معرفة الحق وينحرف إلى معرفة الضلال وإلى الآراء الفاسدة والكاذبة؟ وعن مثل هؤلاء أيضًا قال أحد تلاميذ المخلّص القديسين: "مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا"[20]. ثم ماذا يمكن أن يكون لديهم من اعتراضات على هذا الإيمان أو الاعتراف بالإيمان الأرثوذكسي والدقيق والذي لا يملك إنسان أن يعّدله بأي شكل؟
إرميـــا: نعم إنهم يقولون إننا قد أدخلنا كلمة "هوموأوسيوس" (الواحد في الجوهر) وهى كلمة غير واردة في الكتب المقّدسة وأنها شيء جديد وغير كتابي.
كيرلس: هذا كلام خالى من المعنى، يا صديقى، لأن كلمة "هوموأوسيوس" يجب أن لا تسبب قلقًا ما دامت تحمل معنىً صحيحًا، أم أنك أنت أيضًا لا تقبل حقيقة ما أقول؟
إرميــــا: إننى أقبل.
كيرلس: إفحص إذن في كلمات وأوصاف أخرى تعوّدنا أن نطلقها على طبيعة الله ولا توجد في الكتب المقدسة والإلهية.
إرميــــا: أي كلمات تقصد ؟
كيرلس: حينما نَصِف الذات الإلهية بأنها غير مادية وغير مرئية وغير محدودة وغير ممكن قياسها، هل نحن نتكلّم بطريقه غير مناسبة؟ وحينما نصفها بأنها غير محدودة ولا تخضع لشيء، فهل يتهمّنا أحد أننا نتكلّم بدون فائدة رغم أننا نقدّم الرأى السليم؟
إرميــــا: هذا مجرد لغو بكل تأكيد.
كيرلس: لماذا إذن يُظهِرون أنفسهم كأناس بلا وعى ويُهاجمون مصطلح "هوموأوسيوس" كأطفال صغار مُدّعين أن هذا التعبير غريب وهو المليء بالمعاني الحكيمة القيّمة؟ ورغم أن المعنى الحقيقي معروف ومعتّرف به على الأقل من قِبَل الذين فحصوا بعمق الأمور الإلهية وترّبوا فى الأسرار؛ إلاّ أننا نقول إن معنى "الهوموأوسيوس" حسب رأينا هو: إن الابن وُلِدَ من نفس طبيعة الله الآب، وبذلك يكون الابن ليس من جنس آخر كما يريد أولئك الناس، ولا هو غريب عن الذي وَلدَه ولكنه مساوي له فى الجوهر وله نفس خواصه وطبيعته. ولن أخجل أبدًا من استخدام أي كلمة تستطيع أن تشارك في إظهار الجمال والحق. ونحن نعلم أن الله هو فوق كل جنس. ولكن إذا قرّرنا التخلّي عن البحث عن الوسائل التي تقودنا إلى المعرفةـ وهى معرفة محدودة بكل تأكيدـ أي معرفة الجوهر الذي يفوق كل عقل، فسوف نصير غير صادقين وجَهَلَة ولن نتعلّم أبدًا عن الله الحقيقى وطبيعته .. وسنصير "مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ"[21] حسب المكتوب. وحينما نصبح مذعورين ورافضين للرؤية حتى "فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ"[22]، ورافضين للمعرفة "جزئيًا" فسنصير كلنا مثل الحجارة الصماء والتى بلا شعور، مثلما قال أحد شعراء اليونان "مثل أناس بطالين وهم عبء على الأرض .."[23].
إرميــــا: ولكن هذا لا يلغى السؤال: أين يذكر الكتاب المقدس تعبير "هوموأوسيوس"؟
كيرلس: إنك تُجبرنا يا صديقي أن نكرّر ما سبق وقلناه: أين وصَفَت الكتب المقدّسة إله الكون بأنه "غير الجسدي"، "غير الموصوف" و"غير المحدود" و"غير الخاضع لأحد"؟![24] ورغم ذلك فهو كل هذا بالطبيعة سواء أراد هؤلاء أم لم يريدوا؟
إرميـا: هل لديك اعتراض إن فضّلوا تعبير "مشابه في الجوهر" على تعبير "مساوٍ في الجوهر" [27].
كيرلس: كلامهم هذا غير مستقيم يا صديقي العزيز، فَهُم يُناقضون أنفسهم بعد أن بذلوا جهدًا كبيرًا لإثبات أن التعبير غير كتابي. فإما أن الابن مساوٍ للأب في الجوهر أو أنه لا شئ. وإذا أرادوا أن يقولوا "مشابه في الجوهر" حسب ما يستحسنون فإن عبارة "مساوٍ في الجوهر" هي أساس كل شئ عندنا. وكيف يُفسرون موقفهم بعد أن احتقروا العبارة ووصفوها بأنها كلمة غير صائبة وغير متفقة مع الأسفار المقدسة، ورفضوا أن يقبلوا أي خطاب يحمل ما يشير إلى هذا التعبير، ثم يعودون ويقبلونها ويضعونها في مصاف الألفاظ القيّمة وبافتراض أننا سمحنا لهم باستعمال عبارة أن الابن مشابه للأب في الجوهر، فماذا سيكون موقفهم في نظرك؟
إرميـــا: موقف ظالم جدًا ويعكسه موقفهم المتذبذب أمام تعبيرنا المملوء بالعمق والوضوح.
الكثير والتعاليم الفاسدة التى يُلقنها لهم معلّموهم قد جعلتهم يتصرّفون كالصبية، وذلك بمحاولتهم قطع كل صلة وشركة طبيعية بين الآب والابن، وكأنهم أشفقوا عليه فسمحوا له أن يكون مشابهًا الآب وهكذا لا نرى الفرق بين الابن الوحيد وباقي الناس المخلوقين على صورة الله والذين يظهر فيهم بعض هذا الجمال الإلهي.
إرميــــا: ماذا تقصد من وراء ذلك؟
كيرلس: ألم تسمع أيها العزيز وصيّة المسيح الواضحة "فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضاً رَحِيمٌ"[28].
إرميــــا: نعم.
وهنا يجب التنّويه بأنه رغم أننا خُلقنا على صورته ومثاله إلاّ أن الفارق بين الله والإنسان فارق شاسع.. فالله بسيط فى طبيعته وغير مرّكب بينما نحن نملك طبيعة مركبّة، إذ أن طبيعتنا البشرية مكونة من أجزاء متعددة. ونحن من التراب فيما يخص الجسد وهذا يعنى أننا معرّضون للفساد والزوال مثل الأعشاب. بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد ولا يتّحول ولا يتغّير من حال إلى حال. وعدم تغّير الله ليس صفة عرضّية بل يرجع إلى جوهره. وهكذا أصبح من الواضح أن البشر الذين أتوا إلى الوجود من العدم لا يتشابهون مع الله حسب الطبيعة، بل يمكن أن يتشابهوا معه في نوعية الحياة الجديدة والسلوك المستقيم[29].
إرميـــا: إن حديثنا يسير في الطريق السليم وذلك لأنه رغم سقوطنا، إلاّ أنه لا نحن ولا الملائكة الذين سقطوا، لم ننحرف كليّة عن طبيعتنا ولم ننحدر إلى العدم الكلىّ، رغم عدم اقتنائنا للفضيلة، ولقد فقدنا القدرة على المعرفة الصحيحة وفن الحياة وذلك بسبب ميلنا للشر، ولكن المسيح جاء ودعانا إلى أن نتشّكل من جديد حسب الصورة الأولى بكل بهائها. ولا نقول أبدًا إن الوصول إلى هذا المجد يعنى أن الطبيعة البشرّية تصير طبيعة أخرى، ولكن الأمر يتعلّق باختيار الإرادة في أن يتغيّر الإنسان من حياة شريرة إلى حياة مقدّسة في القول والفعل.
كيرلس: يبدو لي أن الأمر واضح يا صديقي إرميا فإن صفات الله تضئ في صورتنا لأننا اخترنا بملء حريتنا أن نسير في الصلاح، ولكننا، وكما ذكرت ذلك أنت نفسك، لسنا واحدًا مع الله في الجوهر، لأنه لو صح ذلك كما يدّعون، فما الذي يمنعنا أن نكون من نفس طبيعة خالقنا؟ وذلك لأن الكائنات التي تتشابه فيما بينها لابد أن تكون طبيعتها واحدة. ألا يتشابه الملاك مع ملاك آخر في طبيعته؟! وألا يتشابه الإنسان مع إنسان آخر فى نفس الطبيعة؟!
إرميـــا: نعم إنه كذلك.
كيرلس: وهكذا كما ترى، فرغم أن تعبير "هوموأوسيوس" (الواحد في الجوهر) يُعبّر وبشكل رائع عن تطابق الطبيعة، فإن هؤلاء الذين لا يفكرّون بشكل مستقيم يرفضونه على أنه شئ من اختراعنا وذلك لكي يتمسّكوا برأيهم هم وأقصد بذلك "المشابه في الجوهر"[30]، وهم بذلك يُلبسون اللوغوس رداءً دنيويًا. فهم يتظاهرون أنهم يرفضون الحطّ من قيمة الابن، ويدعونه الله وابن ومخلّص وفادى وهم على قناعة تامة ـ قناعة جاءتهم من تمحكات حكمة هذا الدهرـ أن الابن ليس ابنًا بالطبيعة ولا هو إله حق. هؤلاء التعساء يضعونه في عداد المشابهين لله وهم لا يتورّعون عن وضع خالق الكون في مصاف المخلوقات، ويدّعون أنه ليس من نفس الجوهر بل أنه من طبيعة مشابهة. ولهذا السبب يحق لنا أن نطلب منهم أن يرفضوا هذه المصطلح الغريب والشاذ وذلك لكي نستطيع أن نتكلّم، إذا أرادوا، عن تشبّهنا به[31]، وأعتقد أن هذا سوف يزعجهم. وعلى كل حال فمن السهل أن نفهم نواياهم حتى لو لم يقولوا ذلك، وكيف أنهم يرفضون تعبير "هوموأوسيوس" ليس لأنه تعبير غير كتابى كما يعتقدون ويؤكدون مرارًا و تكرارًا، ولكنهم يرفضونه لأنه يُعبّر عن الحق، وذلك لأنه يُظهر بوضوح أن الابن ليس من طبيعة مختلفة عن طبيعة الآب بل هو من نفس طبيعته.
إرميـــا: هذا شيء رائع حقًا.
كيرلس: إنني أعتقد أن هؤلاء المحاربين لله عن سبق إصرار، يتناسون قول المخلّص الذي يؤكد فيه أنه من طبيعة الله الآب بدون انفصال وأنه لم يأتِ إلى الوجود زمنيًا: "أَنْتُمْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هذَا الْعَالَمِ" وأيضًا "أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ، أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ"[32]. والحكيم يوحنا يكتب عن الابن قائلاً: "اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ"[33]. ماذا يعنى تعبير "مِنْ فَوْقُ" إلاّ أنه من الطبيعة الفائقة جدًا والتي تعلو على كل الكائنات؟ وماذا يعنى "لَسْتُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ" إلاّ أنه مختلف تمامًا ولا ينتمي إلى أي كائن خاضع للتغيّر ـ إنه حالة فريدة ـ إذ أن الله هو أبوه.
إن الابن لا يمكن أن يكون من طبيعة متوسطة بين الله والبشر:
إرميــــا: وماذا لو أرادوا أن يقنعونا أن نفهم تعبير "من فوق" بطريقه تختلف عما قلته لنا توًا؟ مثلاً يمكن أن يقولوا إن "من فوق" تعنى أنه لا صلة له بالأرض ولا بالإنسانية، ولكنه من السماء أو أنه من طبيعة أخرى تسمو كثيرًا عن طبيعتنا؟ فماذا نقول لهم وأي إجابة نقدّم؟
كيرلس: وإذا قَبِلنَا أن الابن هو كما يقولون ويدّعون، فماذا تبقّى فيه من مجد نتأمله؟ أليس كل واحد من الملائكة القديسين "من فوق" ونحن نؤمن أنه يأتي إلينا من السماء؟ أليس الملائكة ـ العروش والرياسات والسيادات والسيرافيم ـ أسمى منّا بكثير على الأقل فيما يخص طبيعتهم؟ فإذا لم يكن للابن شئٌ أكثر من ذلك وقسناه بالمقاييس الطبيعية[34]، فهو كما يبدو ليَّ لن يختلف كثيرًا عن المخلوقات العاقلة التى تأتينا "من فوق" من وقت لآخر. "أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلاَصَ!"[35]. وفى هذه الحالة فإن المجد الإلهي سوف يكون مُضافًا إليه وليس من طبيعته، ويكون المسيح كاذبًا حينما يقول: "أنا هو الحق". أين هو الحق وكيف يكون الحق كائنًا في مَنْ لا ينطبق عليه قول الأسفار المقدّسة الموحى بها؟ وما المعنى الحقيقي لما تقوله الأسفار المقدسة من أن الابن ليس من هذا العالم؟
إرميـــا: دعني أكرّر أمامك ما يقولون، فإنهم يؤكدون أنه ليس مساويًا في الجوهر لله الآب ويُنزِلونه من الطبيعة الفائقة إلى أسفل، ولكنهم والحق يقال يعطونه مركزًا أسمى من باقي الخليقة، ويقولون إنه لا يشارك باقي المخلوقات في نفس الطبيعة. ولكنه يحتل مكانة متوسطة. وبكلام أخر فهو يتسامى عن مستوى الطبيعة، ولكنه لا يشارك الآب الذي وَلَده، في الجوهر، وفى نفس الوقت لا يمكن أن نحط من قَدْرِه ونحسبه مع المخلوقات.
كيرلس: إذا قرّروا أن يتكلّموا بوضوح وصراحة عن طبيعة الابن، فإنهم، بلا شك، سيقولون إنه ليس هو الله بالطبيعة، كما أنه ليس مخلوقًا؛ وبذلك فإنهم يبعدونه عن جوهر الله الآب كما يجعلونه أعلى من طبيعة الكائنات المخلوقة، هادمين بذلك ألوهيته. وأنا لا أرى كيف أنه طبقًا لهذا الرأي لا يُحسب ضمن المخلوقات؟
إرميـــا: لقد فهمت الأمر بشكل جيّد. وهم يستمرون فى الدفاع عن رأيهم قائلين إنهم إذا دعوه وسيطًا بين الله والناس فهذا لا يعنى أكثر من إنه وسيط بالمعنى الذي يريدونه.
إرميـــا: أي علاقة توجد بين هذه الأعماق وما يقولونه؟!
كيرلس: لا يجب أن نلجأ للكتب المقدّسة بنفسٍ رخوة[38]، إذ أنهم يفعلون ذلك ويحيدون عن الطريق المستقيم حتى يصلوا إلى التطرّف سواء يسارًا أو يمينًا. بينما إتباعنا للطريق الملوكي يُوجب علينا ويعلّمنا ألاّ ننحرف لا يمينًا ولا يسارًا. ولنلاحظ كيف أنهم بسبب فقدان البصيرة يتركون أنفسهم للانقياد بأهوائهم دون أن يفحصوا أيّ من آيات الكتب المقدّسة تتحدّث عن اللوغوس في حد ذاته، أي قبل التجسّد، وأي آيات تتحدّث عنه بعد أن تَشَبه بنا.
ولكن ربما يعتقدون أنه لا يجب أن نأخذ هذه الأمور فى الاعتبار، وعلينا أن نقبل كل المكتوب بدون فحص. وأرجو أن يوضحّوا لنا ويعرفّوننا ماذا يمنعهم من قبول أن اللوغوس، كلمة الله المتجسّد يحتاج إلى الطعام وإلى الراحة وأنه يتعرّض للتعب: "فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ"[39]. وأكثر من ذلك حين نتكلّم عن موته، نَخلُص إلى أن التمييز بين هذه النصوص أمر هام جدًا لنا لأن هذا يقودنا إلى تمييز الأزمنة والأوقات[40].
إرميـــا: وكيف لا يكون هذا التمييز هامًا بل وهامًا جدًا؟
كيرلس: بل ويجب التمييز أمام كل العالم بين الأقوال الإلهية التي تقال عنه بعضها عن بعض. فاسمع ما يقوله بولس عن طبيعته الإلهية "الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ"[41]. ومرة أخرى في موضع آخر يقول "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيٌَّ وَفَعَّالٌَ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ. وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا"[42]. وهذه الآيات تخص الابن الوحيد قبل التجسد. وهناك آيات تقال عنه وهو مولود مثلنا في الجسد "الَّذِي، فِي أَيَّامِ جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ وَدُمُوعٍ طَلِبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ، مَعَ كَوْنِهِ ابْنًا تَعَلَّمَ الطَّاعَةَ مِمَّا تَأَلَّمَ بِهِ"[43].
إذا نظرنا لهذه الحقائق ألا نستنتج أن هناك اختلافًا في طبيعة الأمور؟؛ فنحن نسمع أن بهاء مجد الله الآب وختم جوهره ذاك الذي يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته، الكلمة الحيّ، اللوغوس الحيَّ الفعال، بعد كل هذا المجد نسمع أنه قدَّم بصراخ شديد ودموع، طلبات وتضرعات لكي يَخلُص من الموت.
ولكن الرسول يقول "فى أيام جسده" أى أنه وهو كلمة الله، صار جسدًا حسب الكتب[44]، ولكنه لم يحلّ فى إنسان كما يحدث فى القديسين الذين يسكن فيهم (الكلمة) بالروح القدس. إذن هناك طريقتان للكلام عن الابن: فمن جهة يجب أن ننسب له كل ما لله بكونه هو الله، ومن جهة أخرى ننسب له كل ما يخصّنا لأنه صار مثلنا. ويجب أن نرفض كل خلط وعدم تمييز بين هذه الأمور لأن هذا ينفى الفهم الحقيقي للمعاني ويحجب عن عيوننا نصف حقيقة الجمال الإلهي.
إرميــــا: ما أروع هذه الكلمات.
كيرلس: فحينما نسميّه "الوسيط" يجب ألاّ نفهم أن هذا يحدّد ماهية جوهر الابن الوحيد. بل بالحري ينبغي أن تقود كل الأفكار إلى الخضوع للمسيح. وهكذا فليبعد كل فكر غير نقىّ كما هو مكتوب "هَادِمِينَ ظُنُونًا وَكُلَّ عُلْوٍ يَرْتَفِعُ ضِدَّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمُسْتَأْسِرِينَ كُلَّ فِكْرٍ إِلَى طَاعَةِ الله"[45].
إرميــــا: هذا كلام حق، ولكن أيها الشجاع لنكتفِ بهذا فيما يخص هذا الموضوع. لأني لا أرى بعد ذلك مكانًا للشك وسأكون سعيدًا جدًا أن أتعلّم منك كيف نفهم طريقة الوساطة، وهذا الأمر سيفضح عدم التناسق في آراء الهراطقة الخادعة .
وهكذا فالرسول يُحدّد، على ما أعتقد، أن الفترة الوحيدة التي تَتَناسب مع "الوساطة" هي الأزمنة الأخيرة، والتي فيها حسب كلام الرسول "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ"[47]. ورغم أنه الإله والرَّب فلكى يُرجعنا بواسطة نفسه لله الآب، ولكى يصالح الكّل حسب المكتوب "وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلاًالصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا عَلَى الأَرْضِ امْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ"[48] لكى يصنع ذلك كله، توّسط كإنسان. ولهذا يقول بولس "نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ"[49] وذلك بالاتحاد بشخص المسيح. ولأن طبيعة الإنسان لا تحتمل أن تستوعب مجد الله بحسب ما كان قَبِل التجسّد، لذلك فقد لبس الابن الوحيد لأجلنا ولأجل خلاصنا، جَسَدنَا وتشبّه بنا.
وهكذا يُكْشَف لنا قصد الله الآب كما يُكشف للساجدين بالروح وليس للمتمسكين بظلال الحقيقة وليس للملتصقين بالناموس الذى لا يؤدى إلى الكمال. وهكذا ما دام "الله روح" فلنسرع نحن أيضًا لكى نعبده بالروح والحق. ألم يقل العظيم إشعياء "لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ"[50].
إرميــا: إن هذا كلام رائع، وإذا أردت أن تقنعنا نهائيًا بهذا الكلام فأذكر لنا بعض الأمثلة القديمة التى تشير إلى وساطة المسيح وسأكون ممنونًا لك.
كيرلس: دعنا نتوجّه إلى موسى العالم بالأسرار الإلهية ولنلاحظ أن أعماله وأقواله بكل ما تحمل من قوّة، هى عبارة عن أيقونة لوساطة المسيح، وهكذا يثبت صحة ما نتمسك به لأننى أعتقد أنه من الغباء[51] بمكان أن يترك الإنسان نفسه فى التقليل من شأن خصومه الذين صنعوا من لذتهم منهجًا فكريًا ويتناقضون مع الكتب المقدّسة، وبعد ذلك يترك نفسه يسقط فى نفس الأخطاء.
إرميــــا: الحق معك.
هذا هو المكتوب، والأمر هنا، حسب اعتقادي، أن موسى هو مثال (TÚpoj)[53] لوساطة المسيح. والمسيح الربّ نفسه يؤكد ذلك "لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي"[54] ونحن لا نأتي إلى الله الآب إلاّ بالمسيح، وذلك بأن نتطّهر من كل دنس عن طريق تغييّر ثياب عقولنا لنقتنى النقاوة التي في المسيح كما يأمرنا القول الإلهي: "الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ"[55]. وما غَسْلُ الثياب إلاّ تعبير عن قوّة الروح المُطِّهر. فإذا قُلتْ إن كل ذلك حق، فلابد أن تكون قد اقتنعت.
إرميـــا: بكل تأكيد.
دعونا ننتقل الآن من هذه الإيقونة المضيئة التى لموسى إلى الأصل الذى هو المسيح الابن الوحيد، الذى إذ لم يشأ أن يأتى إلينا فى مجده الساطع الإلهى فإنه صار مثلنا (عندما تجسَّد)، وبهذا أصبح وسيطًا بين الله والناس من أجل أن يرّبى البشرّية على معرفة إرادة الله، وهكذا صار هو سلامنا كما تقول الكتب[57].
إرميــــا: ما هو هذا الأمر؟
إرميـــا: أرفضه؟! إطلاقًا لا …
كيرلس: إذن هذا هو ما قيل لنا عن موسى، هل تريد أن نؤكد شيئًا آخر علاوة على ما قيل لكي يشرح لنا وساطة الابن أم نترك هذا الموضوع ونتحدّث في موضوع آخر؟
إرميـــا: أيها الشجاع، أليس أحرى بنا أن نستفيد من الموضوع الذى بين أيدينا بدلاً من أن نفتح بابًا أخر للمناقشة، علمًا بأن لا شئ يمنعنا من ذلك؟
كيرلس: إذن سأوجّه حديثي في الاتجاه الذي سيروقك وأقول: نعرف إن قورح وداثان وأبيرام وُلِدوا من سبط لاوي ولكن القرعة كانت قد وقعت عليهم لا لكي يصيروا كهنة، لكن لكي يخدموا في خيمة الشهادة وكانوا لاويين، وهذا الأمر كان على قدر قامتهم.
إرميـــا: الأمر واضح و لكن في رأيي أنه يجب فحص مغزى هذا الحادث بأكثر دقة. ومَنْ غَيركَ أَقَدرْ على فعل ذلك ؟
كيرلس: ألا ترى أن هارون يشكّل منذ القديم صورة ومثالاً لكهنوت مخلّصنا. هارون الذي كان يرتدى رداءً حتى قدميّه، ويلبس ما نسمّيه غطاء الكتف وعلى جبهته صفيحة من ذهب، وكان يُسمح له أن يدخل إلى قدس الأقداس مرَّة فقط كل عام ويرش الدّم، كفارة عن كلّ الشعب؟
إرميـــا: بالصواب قلت، وهكذا يقول بولس ذو الصوت الإلهي "وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْخَلِيقَةِ. وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا."[64].. ومَنْ يستطيع أن ينكر مهما كان مستوى معرفته قليلاً، الحقيقة الساطعة أن هذه الأمور القديمة إنما هي ظلال وصِوَر لما فَعَلَه المسيح؟
كيرلس: وهكذا نحن قَبِلنا يسوع المسيح رئيس كهنة ورسول اعتراف إيماننا. ولنعترف جميعًا وبصدق، وبدون أن نجعل إرادتنا ضد إرادة الله و معجزاته، إننا نحن سكان الأرض قد أغضبنا الخالق وأهنّا الذي أراد أن يعطى للبشر المجد والكرامة على قدر احتمالهم، وهكذا دخل إلينا الفساد الذي سحقنا بالموت " لَكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ "[65]. ولقد وَسَعَّت الهاوية نفسها، كما يقول النبي إشعياء، وفغرت فاها بلا حد..[66]. وكان يمكن أن تفنى الأرض عن بكرة أبيها، وذلك بوقوعها في فخ لا يمكن أن تخرج منه لو لم يأتِ الحلّ الإلهي من فوق، من السموات، وذلك بأن ينزل إلينا الابن الوحيد، وتّم ذلك حسب مسرّة الله الآب، إذ "أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ"[67] وصار رئيس كهنة، وقدّم نفسه بخورًا لأجلنا إلى الله الآب لكي يُسقِط الغضب ويمنَع الوباء: "وَوَقَفَ بَيْنَ المَوْتَى وَالأَحْيَاءِ فَامْتَنَعَ الوَبَأُ"[68]. وبعد هذا كلّه ألا يرى الإنسان بكل وضوح ويدرك أن يسوع صار وسيطًا بين الله والناس؟ فالمعركة انتهت لصالحنا وكل حائط قديم يفصلنا عن الله قد هُدِمَ. واقتربا اللذين كانا قبلاً منفصلين من بعضهما، أقصد الله والبشرّية. وكان المسيح هو عامل التقارب الذي وحّد في نفسه ما هو فوق وما هو أسفل أي الله و الإنسان. وكما قال الصوت الإلهي بولس: "هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاِثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ"[69]. وفى موضع أخر يقول: "فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ"[70].
إرميـــا: لقد رفع المسيح الخطيّة التي كانت تعوق محبتنا لله وأُلفَتنا معه[71]، وهكذا أبطل العداوة. هل بهذه الطريقة نعتبره وسيطًا، أم هناك طرق أخرى ومظاهر أخرى للوساطة؟ سوف أسعد بإجابتك على هذا السؤال لأني ظمآن إلى أن أتعلّم منك.
إرميــــا: ماذا تعنى بذلك؟
كيرلس: وهل أعنى شيئًا غير المكتوب: "فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ، وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ"[75]، فالمسيح الذي هو بهاء وصورة الله الآب وشكله، وهو كلمة الله، الذي هو من الله وفى الله، أخلى ذاته وصار إنسانًا وذلك بإرادته ومسّرة أبيه، ولم يكن مجبرًا على فعل هذا. ومع صيرورته إنسانًا ظلَّ محتفظًا بكرامة اللاهوت وأخذ ما للإنسان حسب التدبير.
وهو الابن الوحيد والكلمة لأنه المولود من الله الآب، وهو البكر بين إِخوَة كثيرين[78] لأنه صار إنسانًا، ولُقِبَ بـ "الابن الوحيد" الذي هو لقب خاص باللوغوس، يطلق أيضًا على اللوغوس متحدًا بالجسد. ونفس الأمر مع لقب "البكر" فهذا اللقب لم يكن لَقَبَه قَبِلْ التجسّد، ولكنه صار لقبًا له بعد التجسد. وهو وسيط بهذا المعنى: إنه جمع ووحّد في شخصه أمورًا متباعدة فيما بينها، وهى اللاهوت
إرميـــــا: هذا رأي مستقيم مائة في المائة، وهكذا وصلنا بالضرورة إلى الإيمان بأن الابن مساوٍ للآب في الجوهر.
طبيعة الوحدة بين الآب والابن:
إرميـــا: وإذا قالوا إن وحدة الابن مع الآب، تشبه ما نلاحظه فى علاقاتنا نحن البشر، فبماذا نجيب؟ دعنى أوضح ما أريد قوله. مكتوب: "َكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ"[80]، فعلى الرغم من كونهم نفوسًا عديدة صاروا نفسًا واحدة. وهذا لا يعنى وحدة الطبائع ولكن وحدة الإرادة والهدف والفكر، ولأن الابن له نفس مسرّة الآب، فهو واحد معه فى الإرادة والفكر مثلنا نحن البشر فى علاقتنا بعضنا ببعض. وهكذا يذهب هؤلاء البؤساء إلى كل مكان ويدمّدمون بهذه الكلمات.
كيرلس: ولكن هذا يدل مرّة أخرى على أنهم يرتكبون جريمة واضحة بغباوتهم التى وصلت إلى حد بعيد، وأن حالة من التوتر تقود أفكارهم. ومعروف أن الأفكار المنحرفة إنما تصدر عن أناس فقدوا إتزانهم، وكما هو مكتوب أن "اللَّئِيمَ يَتَكَلَّمُ بِاللُّؤْمِ وَقَلْبُهُ يَعْمَلُ إِثْمًا لِيَصْنَعَ نِفَاقًا وَيَتَكَلَّمَ عَلَى الرَّبِّ بِافْتِرَاءٍ"[81]. وكيف لا نرى اللؤم والجهل والعبث الذى وصل إلى حد لا
إرميــــا: لا طبعًا أنا لا أجهل ذلك ..
كيرلـس: هل نحن فيما بيننا نحيا في وحدة الطبيعة والإرادة مثل تلك الوحدة التي سوف نكتشف إنها لنا في المسيح.
إرميــا: ماذا تريد أن تقول، فإني لا أستطيع أن أفهمك بسهولة.
كيرلس: لا يوجد شئ صعب في هذا الكلام، وما أقوله يفهمه كل إنسان حكيم ومطلّع على الأمور. نحن الذين ننتسب للبشّرية، نحن نرتبط أولاً بعضنا ببعض ارتباطًا وثيقًا، وذلك برباط طبيعتنا الواحدة وفى نفس الوقت مرتبطون ومتحدون بطريقة أخرى، فكل منا له أقنومه الخاص، فالواحد بطرس والآخر يوحنا، وواحد توما
إرميـــا: إنهم مخطئون وملامون بكل تأكيد، ولكن اسمح لي ـ أنا المشتاق للمعرفة ـ أن أسألك، إذا كنا نقبل أن يُقال إن الابن متحد بالآب تمامًا مثل اتحادنا نحن ببعضنا البعض، أم أن وحدة الابن بالآب أسمى من وحدة البشر؟
كيرلس: الابن متحد بالآب مثلنا، وفى نفس الوقت أسمى منا، فالكلّ متفقون على أنه واحد في الجوهر (هوموأوسيوس) مع ذاك الذي وَلَده، لأنه ابنه الحقيقي. وهذا الأمر كائن في أقنومه الخاص، ولكن وحدتهما طبيعية، ولا يمكن أن تتعّرض الأقانيم لأي تغييّر كما يظن البعض، بحيث إن نفس الأقنوم يكون أبا وابنًا. ولكن كل أقنوم قائم بذاته ويمتلك وجودًا خاصًا به. ووحدة الجوهر هي التي تُعرِّف وحدة الأقانيم معًا.
إرميــا: أتريد أن تقول إن الابن موجود بجوهره الذاتي
(῎ιδια οὐσία) بجانب جوهر الآب ؟
كيرلس: ليس بجوهر أخر غير جوهره كإله، ولكن بأقنومه الخاص كابن.
إرميــــا: إذن يجب أن نميّز بين الجوهر و الأقنوم.
كيرلس: نعم، هناك فارق كبير بين الاثنين وذلك لأن الجوهر يحتوى كل الصفات الجوهرية.
إرميـــا: كيف تشرح ذلك، أعذرني لأني بطئ الفهم في مثل هذه الأمور.
كيرلس: يجب أن تعرف أنه حتى بالنسبة لي شخصيًا، فالحديث في هذه الأمور ليس بالأمر السهل، ولكن لابد أن نفحص الأمر، فالجوهر هو حقيقة مشتركة، بينما الأقنوم يُطلق على الأقانيم المُشتَرِكة في هذا الجوهر الواحد، انتبه فسوف أشرح لك ذلك:
إرميــا: وكيف يكون ذلك؟
كيرلس: نحن نُعرّف الإنسان بأنه "حي وناطق وفاني" وهذا هو المفهوم المناسب له، ونحن نقول إن هذا يُعبّر عن جوهره. وهذا التعريف ينطبق على كل الأفراد فردًا فردًا، وهنا يجد توما ومرقس وبطرس وبولس مكانهم الصحيح حسب اعتقادي، وهكذا نحدّد الجوهر ولكننا لا نحدّد بعد ماهية الأشخاص الذين نتكلّم عنهم بشكل دقيق. فحينما نقول "إنسان" بشكل عام فهو ليس بطرس ولا بولس، وحينما نقول توما وبطرس فنحن لا نخرج من حدود ما نسميه بالجوهر الواحد وهذا لا يقلّل من كل منهم "كإنسان"، فقد أظهرناه موجودًا بأقنومه الخاص.
إذن الجوهر هو لكل إنسان دليل على النوع، أما الأقنوم فهو يطلق على كل واحد في ذاته، دون أن ننسى أنه يشير أيضًا إلى شركة الجوهر ولكن دون أن نخلط بين العام والخاص.
إرميــــا: الآن أفهم ما تعنى، لأن عرضك لا يخلو من لباقة وبراعة.
إرميــا: إذا وافقتني، نستطيع القول إنه يوجد جوهران الآب والابن وهكذا فالتمايز يصير واضحًا .
كيرلس: لا يمكن أن نميّز جوهرين، لا تترك نفسك تُخدع بآراء أولئك الناس ذوى الأفكار الفاسدة، لا تترك الطريق الممّهدة، لتضيع في متاهات.
إرميــــا: كيف يكون ذلك؟
كيرلس: إذا قلنا إن هناك طبيعة للآب وطبيعة أخرى للابن منفصلة عن الأولى، فسنصل إلى أن نفصل بينهما. لأنه بالنسبة للبشر لا يمكن أن نقول "جوهر وجوهر آخر، ونوزّع على كل كائن خاص، الصفات المشتركة، كما لو كانت تخصه هو وحده، وفى الحقيقة إذا قبلنا مبدأ وجود أكثر من جوهر واحد كوسيلة لإظهار التمايز، فإن الجوهر العام الواحد سوف يضيع وسوف يؤدى الاختلاف الجوهري (حسب تصورهم) إلى خلق حالة من الانفصالية والاختلاف، وهكذا نصل إلى وجود تعدّد[85] واختلاف حسب الطبيعة.
إرميـــا: أعتقد أن هذا صحيح .
كيرلس: بهذا الشكل لا يتبقى لنا إلاّ أن نقول إن كان الابن حسب رأيهم ليس مساويًا لله الآب في الجوهر، وأنه من جوهر آخر مختلف ومن طبيعة أخرى فهذا يُخرجنا من الحدود التي تُعرّف بها الألوهة. ففي حالة كون الابن له جوهره الخاص، فسيكون غريبًا عن جوهر الله الآب.
عودة إلى موضوع الهوموأوسيوس (الواحد في الجوهر) ووساطة الابن :
إرميــــا: إنهم يؤكدون أن الابن مختلف عن الآب حسب الطبيعة. ولهذا فهم لا يقولون شيئًا عن "مساواته للآب في الجوهر"، وأضافوا ملحوظة غريبة وهى أننا يجب أن نسميّه "مشابه للآب في الجوهر" مع الاحتفاظ بلقبه كوسيط، معتبرين أن هذا أنسب لقب له.
كيرلس: وماذا نُسمىِّ ذلك إلاّ لونًا من الهذيان وثرثرة العجائز؛ إنهم يعطونه طبيعة متوسطة ثم يقولون إن هذا يفرض علينا أن نسميّه "وسيطًا"، وإلى أين يؤدى بنا هذا الكلام؟ وإلى أي فكر سنصل؟ أنا لا أرى مخرجًا، وإذا كنت تعرف أنت فقل لي، فإن اشتياقي للمعرفة لا يساويه شئ في الكون.
إرميــــا: وماذا أستطيع أن أقول أمام هذه الأمور؟
كيرلس: اسأل نفسك وتعلّم بأقصى سرعة إذا كان الوسيط هو مولود أو مخلوق، أهو الله الحقيقي أم نحسبه من ضمن المخلوقات، وحسب رأى أولئك لا هو الله الحقيقي ولا هو مخلوق بشكل واضح فأي موضع سنجد له بين الكائنات؟ وحتى لو تركت نفسي للتأملات العالية، لا أجرؤ أن أقول شيئًا.
إرميـــا: إنه موجود (حسب رأيهم) بين الاثنين، الله والخليقة ولهذا فهُم يدعونه وسيطًا.
كيرلس: لا يوجد كلام غير واضح مثل ذلك ولا تفكير غبي مثل هذا التفكير. وحتى ولو تتبّعنا كل درجات الكائنات وفحصنا طبائعها بشكل دقيق، فلن نجد طبيعة مجرّدة من كل معايير الألوهة الحقة، وهى لا تخضع لمفهوم الكائن المخلوق، طبيعة تشكّل لونًا من ألوان الكائنات الأكثر سموًا من البشر. فهل هناك كائن متوسط بين المولود وغير المولود، بين المخلوق وغير المخلوق، بين المتغّير وغير المتغّير؟
إرميـــا: لا أعتقد ذلك والحق معك .
كيرلس: حينما نفحص الطبائع في مجملها، نجد اثنتين:
الأولى هي الكائنة دائمًا والمكتفيّة بذاتها، والثانية هي التي تحصل على الوجود بالخلق. والطبيعة الكائنة بشكل غير مخلوق تعلو على كل شئ، وتملك كل إمكانيات التفوّق والسمّو، والأخرى توجد تحت أقدام سيدها. ونتّعلم ذلك بوضوح من كلام المسيح مع جمع اليهود: "أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ"ويشرح الحكيم يوحنا كيف جاء إلينا الابن الوحيد من فوق "اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ"[86]. وهو يعتقد أنه يجب أن نُعطِى للذي هو الله بالطبيعة كل المقام الذي يليق به، لأن قوله "من فوق" ليس المقصود به المكان أو الارتفاع، ولكن يدل على جوهر الآب. وكيف نترّدد في ذلك وقد قال أحد القديسين بوضوح "كُلُّ عَطِيَّةٍ صَالِحَةٍ وَكُلُّ مَوْهِبَةٍ تَامَّةٍ هِيَ مِنْ فَوْقُ، نَازِلَةٌ مِنْ عِنْدِ أَبِي الأَنْوَارِ، الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ"[87]؟ فإن مَنْ يفوق الملائكة والكائنات الاسمي منها ـ ليتفوّق على السيرافيم أنفسهم ـ فلن يكون قد تعدّى الطبيعة الخاضعة للتغيّير أي المخلوقة. لأنه إما أن يكون "من فوق" أي من أبى الأنوار، والوحيد الذي من فوق هو الابن، أو أن نعتبره "من أسفل" وبالتالي فهو ينتمي إلى الخليقة، وبين الخالق والخليقة لا يوجد شئ. وإذا سألنا هؤلاء الذين يقفون ضدنا، هل الابن خاضع للتغيّير أم لا؟ وكيف يكون وسيطًا وخاضعًا للتغيير؟ ماذا سيقولون؟
إرميــــا: أعتقد أنهم سيقعون في مأزق.
كيرلس: في مأزق؟! وأي مأزق، لأنه مكتوب: "لأن الحق حي وهو غالب وسيغلب إلى الأبد"[88] ولنحاول أن نفحص بأنفسنا النهاية التي سوف يقودنا إليها التمعّن في الطريقتين. فإذا قالوا إن هذا الوسيط غير خاضع للتغييّر أي غير مولود، فإنهم بهذا ينسبون إليه الطبيعة اللائقة بالله، وبهذا فإنهم يظهرونه وكأنه يتعدّى حدود الوساطة، ويصير أعلى من وضعه الطبيعي، لأن الذي هو فوق الجميع هو الله حسب المجد والطبيعة، وله خصوصية عدم التغييّر ويستحيل أن نضع هذه الطبيعة بين الطبائع الخاضعة للتغّير والفساد. وإذا تراجعوا وقالوا إنه مخلوق، فكيف ينفرد عن باقي المخلوقات وبأي حق؟ فكيف يكون وسيطًا مَنْ هو أصغر من الله بالطبيعة وأكبر من المخلوقات بالطبيعة؟ فلو أنه غير قابل للتغيّير فسوف يرتفع إلى مجد اللاهوت ويتعدّى حدود الوساطة. وأما إذا كان قابلاً للتغييّر فسوف يهبط إلى أسفل، ويصير غير أهل للوساطة لأنه سيتساوى مع باقي الكائنات. ما هذه السفسطة الخالية من كل محبة حقيقية للحكمة!.
والذي يُقدّم أمرًا على أنه مفهوم وهو غير مفهوم ويوهمنا أنه يمكن أن نحدد مكانًا لطبيعة ما، لا يستطيع أي فكر أن يصل إليها، فهذا يعتبر كلام مبتدع وغير مفهوم، بينما الكلام في مثل هذه الأمور يجب أن يكون واضحًا. وهكذا يتضّح أنهم يخدعون الناس بأفكارهم غير المنطقية وأعمالهم الخالية من التقوى. وهم بهذا يَهينون الابن ويحرمونه من المساواة مع الله الآب في الطبيعة ويحاولون أن يجدوا له وضعًا وسطًا، أو مجدًا صغيرًا بأن يرفعوه قليلاً فوق الكائنات المتغيّرة، ويُغلقون عليه الطريق إلى الآب، ويحرموننا من رؤيته إلهًا بالطبيعة. وهم بهذا يحددّون له المجد الذي يتلائم مع أفكارهم وأمزجتهم. وهؤلاء الناس أُشبهّهم بصانعي التماثيل وهم ذوو صيت في هذه الحرفة، فهم ينحتون الخشب أو الصخر
إرميــــا: ما أروع هذا الكلام .
كيرلس: وإذا كان لديهم أقل تقدير للتفكير السليم فما كان يجب أن يلصقوا بالمسيح أمورًا غير مفهومة ولا أن يطلقوا العنان للتعبيرات التى تصدر من مجرد تأملات نظّرية بلا مضمون فعلى، ويجب عليهم أن يروا بوضوح وبلا دوران أن الابن يسكن في الأعالي اللاهوتية أي أنه من ذات طبيعة الآب ـ وما عليهم سوى التمعّن في الأمر ـ فالابن مولود من الآب، أي صادر من جوهره، ولأنه ابنه فلابد أن يكون له نفس الجوهر. ألم يعلن الله الآب نفسه أن الابن هو "ابن حقيقي وليس شيئًا آخرً حينما أعلنها مدوّية "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ"[89]. ولماذا لا نتصّور أنه يقول "هذا هو الوسيط بيني وبين الناس"؟ وأعتقد أنه كان سيقولها، لو كان قد وضع في حسابه أنه سوف يوجد مَنْ يتصّور وساطة الابن بهذا الشكل المريض. ولكن حتى لو اكتفينا بقوله "ابني الحبيب" فقد قال الله كل شئ بهذه العبارة، لأنه حدّد فعلاً مَنْ سيكون وسيطًا. بينما فيما يخص الإعلان عن الابن الذي صار إنسانًا، فالله الآب له الحرّية أن يختار الاسم المناسب. وقل أنت هل وَصَلَت بهم الحماقة والغباء إلى درجة أنهم لا يعترفون به حتى كابن.
مضمون تعبيرّى "ابن" و"ولادة":
إرميـــا: إنهم يقولون إنه ابن وإنه مولود، ويخجلون من أظهار أنهم يتناقضون مع الكتب المقدَّسة، إذ هم لا يرونه مولودًا من جوهر الآب ولا يرون أنفسهم ملزمين بقبول الولادة كأمر خاص بالطبيعة.
كيرلس: إنهم يعطون معنى مزيفًا لتعبيري البنوّة والولادة. فهم يبعدونهماـ كما ترى بنفسكـ عن جوهر الله الآب. وهكذا يزدرون بالمعنى الصحيح للولادة وبذلك يحرمون الابن من كونه ابنًا بالطبيعة. ولكنهم إن كانوا يعتقدون أنهم حاذقون وذوو رؤية ثاقبة وقد أصابتهم أفكارهم بنشوة كبيرة، فكيف فاتتهم الحقيقة الواضحة وهى أنهم بأفكارهم هذه إنما يقللّون من كرامة الله الآب نفسه؟ لأنهم بهذا يؤكدون أنه عقيم ولا قدرة له على الولادة بينما الخصوبة مغروسة في طبيعة الكائنات الفانية، وهى بنعمته تثمر وتملأ الأرض.
إرميــا: ربما يقولون إنه إذا طبقّنا مبدأ الولادة على الله فهناك آلاف المولودين الذين يجب نسبتهم لله كما يقول الكتاب بخصوص الشعب: "رَبَّيْتُ بَنِينَ وَنَشَّأْتُهُمْ..."[90].
كيرلس: هؤلاء الذين يقولون هذا ينطبق عليهم ما يقوله الطوباوي داود إنهم "َيتَعَلَّلَون بِعِلَلِ الشَّرِّ مَعَ أُنَاسٍ فَاعِلِي إِثْمٍ"[91]، فإذا اتفقنا أن ننسب للابن شيئًا آخرً فيما يخص طبيعته وحسب ما نؤمن به فهو إنه ابن وإنه مولود. وهم قد ارتكبوا خطأ كبيرًا ضد الحق حينما غيرّوا طبيعة الابن وذلك لكي ينعتوه "بالوسيط". وسوف نقنعهم بأنهم قد صنعوا بمماحكة الكلام خرافات مصطنعة ولم يتوقفوا حتى أنزلوه من عُلُّوه الجوهري مع الآب. وحتى بعد هذا لم يكف هؤلاء البؤساء من أن يصفوا الابن الحقيقي بأحط الألفاظ حتى دَعُوه ابن "زنا". فالابن الوحيد لم يرتفع إلى المجد، مجد التبنّى، لكونه من نفس طبيعتنا ولكونه اشترك معنا فى كل شئ، فهذا محض افتراء، لأنه بذلك يكون قد صار ابنًا بالنعمة مثلنا ويُحسب فى عداد الخليقة. ولكن هذا الكلام لا يتعدى الهذيان، والثرثرة وركام من الأفكار الكافرة. فالابن الوحيد لا يحتاج أن يصير على مستوى الأولاد بالتبنى لأنه يدرك سمو مكانته الإلهية، وعمق بنوّته الطبيعية لله. ولهذا لا نجد صعوبة فى فهم ما قاله لليهود "إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللهِ، وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ، فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ، أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ، لأَنِّي قُلْتُ: إِنِّي ابْنُ اللهِ؟"[92].
فإذا كانوا قد دُعوا أبناءً وآلهةً لأن الكلمة قد جاءت إليهم، فكيف لا يكون هو ابنًا بالأولى، بل إن الله، بواسطته سمّى هؤلاء أبناءً؟ فهو ابن بالحقيقة، ولقب "ابن" ليس شيئًا مضافًا إليه. بل إن لقب ابن يكشف عن كينونته، كما أن لقب "آب" يكشف عن أبوّة الله. فالآب يُدعى آب لأنه وَلَدَ الابن، والابن من جانبه يُدعى ابنًا لأنه مولود من الآب. ولهذا فقد شرحنا بطرق كثيرة ومختلفة خصائص الطبيعة الإلهية، ووصلنا إلى المعرفة المطلوبة للموضوع، ولا أريد أن أضع تعبيرّي البنوّة والأبوّة ضمن طرق الشرح هذه [93].
إرميـــا: ماذا تعنى؟
كيرلس: سوف أشرح لك مادُمتَ تريد أن تعرف. يوجد عندنا طريقان اعتدنا أن نميّز بهما الخصائص الأساسية للطبيعة الإلهية. فنحن نعّرف الطبيعة الإلهية:سواء بما تمثله كما هي (إيجابي). أو بما لا تمثله (سلبي).
فحينما نسميها نور وحياة فنحن ننطلق مما نعرف عنها. وحينما نقول إنها غير مرئية وغير فانية فنحن ننطلق من التعريف بما ليس فيها. فهي غير قابلة للفساد وغير مرئية[94]، وهذا هو معنى الصفات التي نطلقها. أليس ذلك صحيحًا؟
إرميــــا: نعم.
كيرلس: وإذا كنا نقول إن الآب هو نور وحياة وفوق ذلك هو غير فاني وغير مرئي، أفلا يكون من العدل والصواب أن نفكر بنفس الطريقة المستقيمة وننسب كل ذلك إلى طبيعة الابن، أي نحتفظ لله الكلمة بنفس ألقاب الله الآب؟
إرميــــا: نعم.
كيرلس: وإذا قلت إن الآب هو مَلِكْ أفلا يكون للابن نصيب في المُلك؟
إرميـــا: وكيف يكون غير ذلك؟
كيرلس: قد يُظَنْ أن المزايا المشتركة توجد فقط في التفوّق والمجد. فالحقيقة التي لا تُكذب أبدًا هي أن المسيح قال لأبيه السماوي "َكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي، وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ"[95]، فلو كنا ننسب للآب إنه آب وللابن إنه ابن، على سبيل الكرامة والأمور الأخرى، فما الذي يمنعنا (في هذه الحالة) من أن نزيل التمييّز بين الاثنين، وندعو كلا منهما آب وابن معًا على أساس أنهما يملكان نفس المزايا المشتركة.
إرميـــا: هذه أفكار غير مقبولة ولا مألوفة؛ فالآب لا يكون أبدًا غير ما هو عليه أي آب، والابن كذلك فهو يبقى ابنًا ولا يمكن أن يكون آبًا.
كيرلس: هذا إيمان مستقيم وحقيقي يا إرميا. فأنت توافق بشكل حاسم على أن اسم الآب ليس لقبًا شرفيًا واسم الابن كذلك. فكل اسم مثلما سبق وتكلّمنا عن النور والحياة هو اسم كل واحد ويُظهره كما هو.
إرميــــا: بكل تأكيد .
كيرلس: هناك حقيقة يجب أن لا نجهلها وهى أن الأسماء، كل اسم حسب قيمته، تنشئ نوعًا من الالتباس الذى يحتاج إلى إيضاح ويستدعى أن نحدد لكل لفظ معناه الثابت، ولهذا فيجب أن نعطى لكل من الآب والابن ألقابًا تليق بكينونتهما، فالآب يُدعى "آب" وليس "ابن"، لأنه وَلَدَ، والابن يُدعى "ابن" وليس "آب" لأنه مولود. وتخّيل للحظة ولو بالتأمل، أننا لا ننسب للآب أنه آب ولا للابن أنه ابن، فكيف إذن يمكن أن نُحددّ أقنوم كل واحد؟ فهل نُحددّه بالصدفة، بأن نُسميّه مَرّة الله ومَرّة حياة أو عديم الفساد أو غير المرئي أو الملك؟ ولكن هذا لا يكفى لتحديد الأقنوم! فلكل من الاثنين ما يميّزه عن الآخر، فكيف نميّز بينهما؟ حينما نقول الآب فنحن نُحددّ إنه آب لأنه وَلَدَ، والابن هو ابن لأنه بالحقيقة وُلِدَ، إذن خصوصيات كل أقنوم هي ما يعود إليه، وإليه فقط. بينما عموميات اللاهوت تقال عن الاثنين. وفى العموميات تندرج كل الكرامات التي للطبيعة، ولكن الخصوصيات تُحددّ من ناحية الذي وَلَد، ومن ناحية أخرى المولود، أي الآب والابن.
[1] حوار حول الثالوث، الجزء الأول، للقديس كيرلس الأسكندري، ترجمة ومراجعة المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، طبعة ثانية منقحة، مارس 2008
[2] العناوين الجانبية عن الترجمة الفرنسية.
[4] كلمة هامة عند الآباء ويترجمها بستان الرهبان "الأوجاع" وباليونانية πάθος وهى غالبًا ما تعني الأهواء.
[5] المُهر هو ابن الفرس، الصغير.
16 هنا يعرض ق. كيرلس النص الذي أقره الآباء في مجمع نيقية سنة 325م، والملاحظ أن المجمع الثاني في القسطنطينية قد تبَني هذا النص مع بَعض التعديلات وأضاف الجزء الخاص بإلوهية الروح القدس، وهكذا استقرت صياغة قانون الإيمان على النحو الذي نتلوه الآن.
[14] هذه العبارة هي ترجمة للكلمة اليونانية المركبة "هوموأوسيوس "`ομοούσιος" وهي من مقطعين وهي تعنى من جوهر الآب ذاته أو مساوى للآب فى الجوهر أو واحد مع الآب فى الجوهر.
18 هذه الفقرة وردت أيضًا في قرارات المجمع بعد إقرار الإيمان الذي أجمعت عليه الكنيسة، وهذه الفقرة تشير إلى ما كان يعلّم به آريوس الهرطوقي.
20 ويقصد أتباع الآريوسيين الذين أنكروا ألوهية الابن المتجسّد، والملاحظ أن وصفهم بأنهم كذبة هو نفس الوصف الذي أعطاه ق. يوحنا لمن أنكروا أن يسوع هو المسيح (انظر: 1يو2: 22).
23 1يو2: 19. يقارن هنا ق. كيرلس بين الآريوسيين وتعاليم هؤلاء الهراطقة الذين يتكلّم عنهم ق. يوحنا في رسالته ويصفهم بهذا الوصف إذ أنهم أيضًا أنكروا الابن: 1يو2: 23.
26 هوميروس: الإلياذة 43: 104 . استخدام ق. كيرلس ـ مثل غيرة من الآباء ـ لبعض أفكار الفلاسفة اليونانيين، يعكس سعه اطلاعهم وثقافتهم الواسعة. والجدير بالذكر أن الفلسفة اليونانية كانت من بين المواد التي تدرّس في مدرسة الإسكندرية اللاهوتية بجانب العلوم الرياضية والموسيقية والفنية... الخ.
27 تُستخدم هذه الصفات فيما يُسمىَّ بعلم اللاهوت السلبي Apophatic theology بمعنى وصف الله بما ليس هو، وهي صفات شائعة في كتابات كثير من آباء الكنيسة بالرغم من أنها لم ترد في نصوص الكتاب المقدس، فنجدها مثلاً في كتابات ق. غريغوريوس اللاهوتي، ففي القداس المعروف باسمه يتوجه بالصلاة إلى قنوم الابن فيصفه بأنه "غير المرئي، غير المحوَى، غير المبتدئ، غير الزمني، غير المفحوص، غير المستحيل". انظر: الخولاجي المقدّس، طبعه دير البراموس: 2002 ص325.
[26] نلاحظ إشارة ق. كيرلس إلى "أسلافنا" άρχιότεροι أى الأقدم منّا وهذا يشير إلى معنى الإيمان المسلّم بواسطة الآباء الأقدمين.
[27] الفرق بين التعبيرين فى اليونانية هو (حرف i يوتا). مشابه فى الجوهر ÐmoioÚsioj، بينما مساوٍ فى الجوهر ÐmooÚsioj
31 لو6: 36. يستخدم ق. كيرلس نفس هذه الآية وطريقة تفسيرها كما سبق إن استخدمها وشرحها ق. أثناسيوس في الدفاع عن إلوهية الابن المتجسد وإنه لا يشابه في طبيعته الإلهية أي من المخلوقات. انظر ق. أثناسيوس: المقالة الثالثة ضد الآريوسيين، فصل 10:25.
32 في سياق شرحه لقانون الإيمان يشددّ ق. كيرلس على العلاقة الوثيقة بين الإيمان والأعمال، فلابد إن تعكس أعمالنا، إيماننا القويم وأيضًا من الضرورى أن نعبّر عن إيماننا بأعمال وسلوك مستقيم= =فيقول: "لأن الإيمان الصحيح الذي لا يُسخر به بسبب ما له من بهجة التلازم مع الأعمال الصالحة، هو يملؤنا بكل صلاح ويُظهر أولئك الذين قد حصلوا على مجد متميزّ. وإن كان بهاء أعمالنا يبدو إنه لا يرتبط بالتعاليم الصحيحة والإيمان الذي بلا لوم، فإن هذه الأعمال لن تنفع نفس الإنسان، بحسب رأيي. فكما أن "الإيمان بدون أعمال ميت" يع2: 20، هكذا أيضًا نحن نقول إن العكس صحيح. وهكذا فليقترن الإيمان الذي بلاعيب ويشرق مع أمجاد الحياة المستقبلية وبذلك نصير كاملين... وأولئك الذين بسبب الجهل قد قللّوا من قيمة امتلاك الإيمان المستقيم ممجدين حياتهم بسبب أعمال الفضائل يشبهون أناسًا ذو ملامح حسنه في وجوههم ولكن نظرة عيونهم مصابه بتشويه وحَوَل". رسائل ق. كيرلس: ترجمة د. موريس تاوضروس د. نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. يونيو 1997م، ج4، الرسالة رقم55، ص26 فقرة: 2، 3.
[30] القديس كيرلس يقول إن تعبير "المشابه فى الجوهر" وباليونانية `οmoioÚsioj هو تعبير يناسب المخلوقات ولا يناسب الابن لأن الابن غير مخلوق.
34 نحن نشبه الابن من حيث طبيعته البشريّة التي اتحد بها. فهو قد شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها. أمَّا من جهة طبيعته الإلهية فنحن لا نشابهه فيها بالمرّة فهو الخالق ونحن بشر مخلوقين. وسبب انزعاج المقاومين، من القول بإننا نشبه الابن، هو التفسير السليم لهذا القول، لأنهم اعتقدوا أن الابن هو مثل بقية أبناء البشر بالتالي هو مخلوق.
[34] يقصد بالمقاييس الطبيعية مقاييس الطبائع المخلوقة.
41 ينصح ق. أثناسيوس أيضًا كل من يريد أن يعرف ما يختص بالله الكلمة قائلاً: "إن دراسة الكتب المقدسة ومعرفتها معرفة حقيقية تتطلبان حياة صالحه ونفسًا طاهرة وحياة الفضيلة التي بالمسيح، وذلك لكي يستطيع الذهن ـ باسترشاده بها ـ أن يصل إلى ما يتمناه وأن يدرك بقدر استطاعه الطبيعة البشرية ما يختص بالله الكلمة". انظر: تَجسُّد الكلمة ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. طبعة4، 2006 فصل 57: 1. ص167.
43 يكررّ هنا القديس كيرلس ما سبق أن علّم به القديس أثناسيوس من أهمية تمييز النصوص بمعنى إنه يجب معرفة الشخص الذي تتكلّم عنه الآية وزمان كتابتها والسياق التي وردت فيه هذه الآية. انظر المقالة الأولى ضد الآريوسيين فقرة45.
[45] 2كو10: 5. الآية حرفيًا "إلى طاعة المسيح" و لكن القديس كيرلس يستخدم تعبير "طاعة الله" للتأكيد على إلوهية المسيح له المجد وإنه هو الله الكلمة المتجسّد.
[51] يستعمل ق. كيرلس نفس الكلمة اليونانية التي يستعملها ق. بولس في 1كو1: 3 (ولليونانيين جهالة).
[53] كلمة TÚpoj التي يستعملها ق. كيرلس، صارت فيما بعد مدرسة للتفسير اسمها typology (انظر رومية5: 14 حيث يذكر الرسول أن آدم هو مثال الآتي أي المسيح).
63 يو12: 49. في موضع آخر يشرح ق. كيرلس المعنى اللاهوتي السليم لهذه الآية التي أساء الهراطقة فهمها فأنكروا ألوهية الكلمة، فكتب قائلاً "لا ينبغي أن يفترض أحد أن قول الربُّ إنه لا يتكلّم من نفسه وإن كل كلامه هو من الآب ـ يتعارض بأي حال مع التقدير الخاص به. سواء من جهة جوهره أو كرامته الإلهية؛ بل ينبغي أولاً أن نفكر في الأمر مرّه أخرى ونقول "هل يستطيع أحد حقًا أن يفترض أن اسم الوظيفة النبوية وممارسة عمل النبوّة تليق بذاك الذي هو الكائن دائما والذي يُعتبر أنه الله بالطبيعة؟" أظن بالتأكيد أن أي واحد مهما كان بسيطًا سوف يجيب بالنفي ويقول إنه من غير المعقول أن الله الذي يتكلّم في الأنبياء يُسمِىّ هو نفسه نبيًا: لأنه هو الذي "كَثَّرْتُ الرُّؤَى وَبِيَدِ الأَنْبِيَاءِ مَثَّلْتُ أَمْثَالاً" كما هو مكتوب انظَر هو 12: 10. ولكن حيث إنه اتخذ اسم العبودية. الشكل الخارجي المشابه لنا وبسبب مشابهته لنا دعىّ نبيًا، فيتبع بالضرورة أيضًا أن الناموس قد وشحّه بالصفات الملائمة للنبي أي خاصية الاستماع من الآب وأَخذْ وصيه، ماذا يقول وبماذا يتكلّم. انظر يو12: 49." وإضافة إلى ذلك أشعر أنه من الضروري أن أقول هذا أيضًا: إن اليهود كانت عندهم غيرة شديدة من جهة الناموس، مؤمنين أنه قد أُعطِىَ من الله، ولذلك لم يكن متوقعًا أن يقبلوا كلمات المخلّص حينما غيّر صورة الفرائض القديمة إلى العبادة الروحانية. وما هو السبب الذي يجعلهم غير راغبين في قبول تحويل الظلال إلى معانيها الحقيقية؟ إنهم لم يدركوا أنه هو الله= =بالطبيعة ولا حتى سمحوا بالافتراض أن الابن الوحيد الذي هو كلمة الآب، قد لبس جسدنا لأجل خلاصنا. وإلاّ لكانوا قد خضعوا في الحال وغيرّوا رأيهم بدون أي تردد ولكانوا قد كرّموا مجده الإلهي بإيمان صحيح" انظر: شرح إنجيل يوحنا. ترجمة د. نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية الجزء السابع أكتوبر 2007 ص53ـ54
[71] حرفيًا تأتى من كلمة بيت أي نشعر إننا معه في بيته .
[76] يشير إلى انفراج الساقين عند المسير، فالساقين يظهران عند المشي، منفرجتين وهما في وحدة السير معًا... (المترجم).
80 تُعبّر هذه الفقرة باختصار، عن التعاليم الخريستولوجية التي علّم بها ودافع عنها ق. كيرلس ضد نسطور وأتباعه، الذين حاولوا التعليم بوجود شخصين وابنين منفصلّين، ولقد أدان مجمع أفسس سنة 431م نسطور وتعاليمه، وأقر ما علّم به بابا الأسكندرية. انظر رسائل ق. كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي. ترجمة المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. ومن الجدير بالذكر أن الكنيسة تضع هذه الصيغة المختصرة للإيمان في نص الاعتراف الأخير في القداس الإلهي الذي يردده الكاهن بقوله: آمين آمين آمين... ألخ.
86 هنا يعتمد ق. كيرلس على شرح القديس أثناسيوس لهذه الآية ويتبع نفس تعليمه. انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين فقرة 19.
89 يو3: 31. سبق أن تعرّض ق. كيرلس لشرح هذه الآية بالتفصيل وبيان المعنى الحقيقي لتعبير "مِنْ فَوْقُ" الذي يدل على وحده جوهر الآب والابن وذلك في سياق شرحه لإنجيل يوحنا. انظر: شرح إنجيل يوحنا ترجمة د. جرجس كامل. مقدمة ومراجعة د. نصحي عبد الشهيد المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية مايو 1995 ج2. الفصل الثاني ص35 ـ40.
95 يو10: 35-36. لقد تناول ق. كيرلس هذه الآية بالشرح المستقيم في سياق شرحه لإنجيل يوحنا. انظر: شرح إنجيل يوحنا: ترجمة ومقدمة، د. موريس تاوضروس ود. نصحي عبد الشهيد. المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. ديسمبر 2003، ج5، ص154-157.
[93] يقصد القديس كيرلس أن طُرق الشرح هذه تقودنا إلى معرفة البنوّة والأبوّة، ولذلك فالبنّوة والأبوة ليست ضمن الشرح.