| المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية |
| www.patristiccenter.org |
أبحاث كـتابـية
” مفسرًا للكتاب المقدس”
د. جورج عوض إبراهيم
يعتبر العلماء أن أوريجينوس (185 ـ 253/254م) هو من أهم المفسرين في الكنيسة الأولى. وأهميته لا ترجع إلى أنه أول من فسر الكتاب المقدس بطريقة نظامية ولكن في انشغاله بأمور لم ينشغل بها أي أب قبله، وأيضًا ترجع إلى العمق الذي وصل إليه في تفسيره للكتاب، فنحن مدينون إليه بأول تفسير مسيحي كتابيي. إن الأسس والشروط والمناهج التي استخدمها في تفسير الكتاب المقدس وطبقها حددت شكل وتطور التفسير الكتابي والكنسي وأثرت على أتباعه وخصومه على السواء في الشرق والغرب حتى اليوم.
لقد أدخل أوريجينوس بعمله التفسيري ثلاثة أنواع أدبية معروفة:
1 ـ التعليقات: ScÒlia
هذه التعليقات هي شروحات أو ملاحظات على كلمات أو تعابير صعبة الفهم في النصوص الكتابية. للأسف أُنقذت تعليقات قليلة على بعض الأعداد. ذكر ايرونيموس في رسالته الثالثة والثلاثين أن " ScÒlia " أوريجينوس تناولت مقاطع غامضة من أسفار الخروج واللاويين والمزامير الخمسة عشر الأولى والجامعة وإنجيل يوحنا. وأضاف روفينوس إلى هذه سفر العدد في ترجمته لعظات أوريجينوس على هذا السفر. ولم يبق من هذه التعليقات سوى ما جاء في كتاب الفيلوكاليا الذي أعده القديس باسيليوس والقديس غريغوريوس النزينزي نقلاً عن أوريجينوس[1].
2 ـ العظات:
ذات محتوى وعظي وأخلاقي، وهى على مقاطع ليتورجية وكتابية. بحسب يوسابيوس (تاريخ الكنيسة Ist. VI36, 1)، وهذه العظات قد ألقاها أوريجينوس على الأغلب في قيصرية بعد رسامته وفي الفترة الأخيرة لحياته، لذلك تمثل خُلاصة خبرته التفسيرية. لقد حُفظت واحد وعشرون عظة فقط من 574 عظة مكتوبة باليونانية والأغلبية مترجمة إلى اللاتينية. والأصل اليوناني يحتوى على عشرين عظة على سفر إرميا وعظة واحدة على صموئيل الأول (1صم3:28ـ25). وقد اكتُشفت حديثًا أجزاء صغيرة باليونانية من عظة 35 على إنجيل لوقا، ومن عظاته الـ25 على متى. ولكن حُفظت لنا باللاتينية 16 عظة على التكوين، و13 عظة على الخروج، و16 عظة على اللاويين، و27 عظة على سفر العدد[2]، و26 على يشوع، و9 على القضاة، و9 على المزامير، كل هذه من ترجمة روفينوس اللاتينية. كما حُفظت عظتان على نشيد الأنشاد، و9 على إشعياء، و14 على إرميا، و14 على حزقيال، و39 على إنجيل لوقا في ترجمة ايرينيموس اللاتينية. كما حُفظت مقاطع من عظاته العشرين على سفر أيوب في ترجمة القديس إيلاري أسقف بواتييه اللاتينية. كما توجد أجزاء من عظاته على إرميا وصموئيل والملوك وكورنثوس الأولى والعبرانيين. إذن لقد وصلنا من 574 عظة لأوريجينوس 21 عظة باليونانية و184 باللاتينية وهي عظات كان يهدف بها تفسير نصوص الكتاب لتكون غذاءً روحيًا لبناء نفوس المؤمنين، لذا كانت بسيطة ومباشرة للسامعين.
3 ـ مذكرات تفسيرية: TÒmoi ¹ ta upomn»mata
لقد فسر أوريجينوس أسفارًا من العهد القديم والجديد آية آية وطبق التفسير الرمزي أو السري Pneumatik» ¹ Mustik» ermhne…a. هكذا شرح أوريجينوس إنجيل متى في خمس وعشرين رسالة دونها في قيصرية فلسطين بعد سنة 24. ولكن لم يبق منها باليونانية سوى العاشرة حتى السابعة عشر على مقطع متى 36:13. ولدينا ترجمة لاتينية لما جاء في متى13:16 حتى 65:27.
+ أعد أوريجينوس ثلاثين رسالة أو أكثر على إنجيل يوحنا وقدمها إلى صديقه أمبروسيوس. وقد أعد الأربعة الأولى منها في الأسكندرية بين السنتين 226، 229 والخامسة في أثناء تجواله في الشرق سنة 231. والباقي في قيصرية فلسطين. وهي تحتوى على فهمه التصوفي ورأيه في الحياة الداخلية.
+ أيضًا كتب أرويجينوس 15 مقالة على رسائل بولس الرسول. وقد فُقد نصها اليوناني ولم يبق منها سوى بعض المقاطع وُجدت مكتوبة على البردي في طرة مصر، وحفظ بعضها باسيليوس في الفيلوكاليا، والبعض الآخر في الكاتيناية Catenae (سلاسل التفسير). ونقل روفينوس معظم هذا النص إلى اللاتينية بتصرف ويبدوا أن هذه الرسائل كتبها قبل رسائله عن متى أي قبل سنة 244.
+ يوجد جزء من تأملات أوريجينوس على سفر نشيد الأنشاد في ترجمة لاتينية لروفينوس (الكتب 1ـ4) سنة 410م. ويقول القديس إيرونيموس الذي ترجم اثنين من عظات أوريجينوس على سفر النشيد إلى اللاتينية، إن هذا التفسير هو أعظم أعمال أوريجينوس التفسيرية، وتفسيره الرمزي يرى أن سليمان يرمز للمسيح. وبينما نجد في العظتين اللتين ترجمهما إيرونيموس أن الكنيسة هي التي يُرمز إليها في النشيد بالعروس، فإنه في العظات التي ترجمها روفينوس تُقدم النفس الإنسانية على إنها عروس المسيح.
أ ـ تفسيرات مفقودة:
لم يبق من تفسيرات أوريجينوس على التكوين والمزامير، وإشعياء ومراثى إرميا وحزقيال والأنبياء الصغار وعلى إنجيل لوقا ورسالة غلاطية ورسالة أفسس ورسائل فيلبى وكولوسي وتسالونيكي والعبرانيين وتيطس وفيلمون، سوى القليل حُفظت في سلاسل التفسير Catenae أو في اقتباسات آباء جاءوا بعده. فمن بين 291 تفسير باليونانية لم يبق سوى 16 تفسير وقليل جدًا باللاتينية.
ب ـ البحث التحقيقي لنص الكتاب:
لقد أراد أوريجينوس عن وعى إدراك أن يكون باحثًا ومفسرًا للكتاب المقدس. لقد كرّس كل حياته في دراسة الكتاب المقدس[3]. وغطت شروحاته تقريبًا كل الكتاب المقدس. سواء للدفاع عن المسيحية أو كمتأمل نظامي أو مفسر روحي وسرى مسترشدًا دائمًا بالمصدر الذي لا ينضب لإلهامه. كان يبحث الكلمة المكتوبة من كل جهة باستخدام كل الطرق المساعدة المعروفة.
لقد كان التقليد الأسكندري الأدبي والكتابي الغنى محل تقدير كبير عند أوريجينوس، وكان يلجأ إلى التقاليد اليهودية والرابونية آخذًا (استقى) معارف تاريخية وجغرافية فيما يتعلق بالأماكن التي ذُكرت في الكتاب المقدس. وكان له دراية كبيرة بالفلسفة اليونانية، فقد فسر النظرية الأفلاطونية بالمفهوم المسيحي عن الكلمة، مثلما كانت عند الرواقيين وأنصاف الأفلاطونيين. استخدم بغنى تقليد فيلون التفسيري والرمزي. لقد أخذ من سابقة كليمندس وأيضًا في التقليد الشرحي الغنوسي. هكذا فيما عدا اعتماده المعروف على التقاليد (التراث) الفلسفي والأدبي لعصره، يربط أوريجينوس العناصر المتنوعة ليخرج بعمل متكامل.
إن عمل أوريجينوس العلمي فيما يختص بدراسته لنص الكتاب يُقابل إلى الآن بدهشة وإعجاب. ويُعد أوريجينوس أول كاتب كنسي في تاريخ التفسير الكتابي يدرك مدى أهمية تحقيق النص والاحتياج إلى نص يعتمد عليه، وهذا الأمر كان ضروريًا للحوار مع اليهود والغنوسيين. وهذا المطلب قد اكتمل بعمله المعروف بـ السداسية Hexapla وباليونانية “/Exaplîn”، ويعتبر هذا العمل هو أول محاولة لضبط نصوص العهد القديم. جاء في ستة أعمدة متوازية يتضمن الأول منها النص العبري، والثاني النص العبري بالحروف اليونانية، والثالث نص الترجمة اليونانية التي تُنسب إلى AkÚla أكويلا وهو يهودي عاصر الإمبراطور أدريانوس، والرابع باليونانية التي تُنسب إلى سيماخوس Summ£coj المعاصر للإمبراطور سبتيميوس سويروس، والخامس نص الترجمة السبعينية. وبحسب يوسابيوس المؤرخ الكنسي، قد أعد أوريجينوس عملاً رباعيًا (Tetrapla) يتضمن الترجمات اليونانية التي لم يجد لها نصًا عبرانيًا. وجعل المزامير تُساعيًا Enneapla بإضافة ثلاثة أعمدة جديدة. ويرجح المختصين أن هذه النصوص جميعها بقيت زمنًا طويلاً نسخة واحدة هي نسخة أوريجينوس، وأنه كان لابد لمن يرغب في الاطلاع عليها من زيارة قيصرية فلسطين حيث حفظت في مكتبتها. أما نص السبعينية الذي جاء في العمود الخامس فإنه نُسخ مرارًا وتكرارًا. ولا يزال لدينا نسخة سريانية كاملة لهذا العمود بكامله تعود إلى القرن السادس. وفي مكتبة القديس أمبروسيوس في ميلان وفي مجمع اليهود في القاهرة بمصر القديمة بعض المزامير من سداسي أوريجينوس. وهناك مقتطفات حُفظت في مصنفات الآباء.
ومن الجدير بالذكر أن أوريجينوس استخدم الترجمة السبعينية للعهد القديم والتي اعتبرها بتأثير من فيلون اليهودي كموحى بها وأكثر كمالاً من النص الأصلي العبري. وكان يعرف أن نص الترجمة قد تعرض لأخطاء أثناء النسخ وكان يصححها لكي تصبح الترجمة أقرب إلى النص الأصلي.
أثناء تفسيره للكتاب بحث وفتش وقارن بتأني بعض المخطوطات المختلفة للكتب المقدسة وأضاف ملاحظات تحقيقيه غنية بالنسبة لشكل النصوص. أما بالنسبة للعهد الجديد فتحقيق النصوص انحصر في إزالة الغموض بين الكتابات الإنجيلية، وفي حالات معينة صحّح أسماء بعض الأماكن في فلسطين التي يعرفها جيدًا بسبب إقامته في هذه الأماكن، على سبيل المثال: فيثافابا (bhqabap©) بدلاً من فيثانيا (bhqan…a)، و غاذرا (G£dara) بدلاً من غارسا (Gšrasa): في تفسيره لإنجيل يوحنا (Up Iw. VI 41,420) أيضًا قدم معلومات ثمينة فيما يخص قانون العهد القديم (العبري) والعهد الجديد[4]. هكذا صار أوريجينوس بعمله التحقيقي للنصوص الكتابية هو المدخل والأساس للتحقيق الأدبي للنصوص الكتابية التي تمثل شرط التفسير الكتابي الحقيقي.
ج ـ الوحي qeopneust…a كحضور إلهي شخصي:
يؤمن أوريجينوس إيمانًا راسخًا بوحي الكتاب المقدس من خلال صياغة بولس المشهورة إلى تيموثاوس: " كل الكتاب هو موحى به من الله" (2تيمو1:3). ومثل الآباء المدافعون يذكر أوريجينوس أحيانًا بدلاً من الروح كمُلهِم للكتب المقدسة المسيح، ومرة أخرى حكمة الله. الشيء الذي أضافه أوريجينوس في موضوع الوحي هو ربطه بالثالوث القدوس[5]. هكذا سر الوحي الذي يخص إعلان الكلمة الإلهية يتعلق بملء الثالوث. هدف أوريجينوس هو أن يكون التفسير الكتابي وفق التعليم الكنسي. وعندما يشير إلى أنبياء العهد القديم ينسب النبوات إلى الروح القدس والذي حل على هؤلاء الأنبياء وجعل عقلهم أكثر فطنة وبصيرة، أيضًا نفوسهم وأجسادهم أكثر بهاءً. إنه حقيقة أن الوحي ليس يخص فقط العمل الذهني للكاتب لكن كل وجوده وكيانه. إنه حضور للروح ذلك الذي يرفع الكيان الإنساني البيولوجي إلى مستوى أسمى ويقدس كل الشخصية الإنسانية. وبهذا المفهوم فإن الوحي ليس هو حالة سحرية. لذلك بحسب أوريجينوس فإن الوحي لم يكن حالة مؤقتة بل دائمة، علاقة حياتية بالله فيها يُعاين النبي ذهنيًا الرؤى الإلهية[6]. هذه الشركة المباشرة لكُتّاب الكتاب المقدس بعالم الله غير المنظور والأبدي يُصادر أي مفهوم آلي للوحي الإلهي. فالكُتاب المقدسون يشاركون في العمل “sunergoàn“ بالروح القدس في كتابة الكلمة الإلهية. هذا العمل المشترك لا يضع الحقيقة الإلهية في خطر لأن الروح "ينير" عقل الكُتّاب ويحفظهم من أي نوع من الخطأ كما قلنا فإن أوريجينوس يربط بين الوحي والثالوث القدوس. وهذا الأمر يسرى حتى في الحالات التي يشدد فيها على أن الروح هو مُلهم أو الذي يلهم كُتّاب الكتب المقدسة. الروح يتكلم ويعمل مع الأقنومين الآخرين للثالوث. هكذا عندما تقال شهادة ما "من شخص" الله، أو المسيح، وأيضًا من جانب نبي أو شعب، فإن الذي يمثلهم ويتحدث عنهم هو الروح[7]. إذن في كلمة الكتاب فإن الآب والمسيح والروح القدس يحضرون ويعملون. ويشدد أوريجينوس على هذه النتيجة، وهو يعتمد اعتمادًا مطلقًا على يوستينوس[8]. ضد اليهود الذين كانوا يرفضون حضور المسيح في العهد القديم. بالتالي، وحى العهد القديم لم يكن مطلقًا معروفًا في عصر العهد القديم، لأن محتواه الأساسي، الذي هو يسوع المسيح كان مازال مخفيًا فيه. لذلك فقط التجسد أُعلن تمامًا الملمح الإلهامي في الكتاب أي وحى الكتاب المقدس[9]. لأن بالتجسد أُعلنت إلوهية المسيح، لذلك الوحي يتعلق مباشرةً بشخصه الإلهي[10]. هكذا انقاد أوريجينوس إلى حقيقة أن يسوع المسيح هو المفتاح الفريد لتفسير الكتاب[11]. هكذا إن الوحي، بعد الحضور الجسدي للكلمة يخص الفهم السري للعهد القديم.
د ـ الوحي وطبيعة الكلمة الكتابية:
لقد فضل أوريجينوس اختيار المنهج الرمزي أو الروحي “allhgorik» » pneumatik» لكي يصل إلى الفكر الروحي للكتاب. واستخدم أوريجينوس مترادفات لهذا المصطلح: مثل كلمة لغز: a…nigma, المفاهيم الإلهية: qe…a noὴmata , وكذلك الكلمة السرائرية: mustkÒj lÕgoj.
هكذا فإن إستخدام أوريجينوس للرمزية له أبعاد متعددة ومتنوعة وهذا التنوع للمصطلحات المترادفة أعطى أوريجينوس في تفسيره الروحي اتساعًا وصادر إنحصارها في منهج بسيط. إن العناصر التي فرضها أوريجينوس في طريقته التفسيرية باستخدام المنهج الرمزي قد استعارها من التقليد الفلسفي واللغوي اليوناني وهى كالآتي:
1 ـ تكوين العالم عمومًا من العنصر المادي المحسوس aisqhtÒ والعنصر الروحي أو الذهني وتفوق الأخير. حركة العنصر الجسدي نحو الذهني هو قانون طبيعي[12].
2 ـ التكوين الثلاثي (الجسد، النفس الروح) للإنسان وعمله. الجسد ينبغي أن يخدم احتياجات النفس بينما الاثنين الجسد والنفس فكليهما لخدمة احتياجات الروح[13].
3 ـ الكلمة المكتوبة Ὁ graptÒj lÒgoj في حد ذاته هو الذي يرفع المكتوبات إلى الحقائق وفق المبدأ اللغوي المعروف لدى الرواقيين والكتابات الأسكندرية[14].
4 ـ التمييز في التعليم بين التعليم العملي أو الأخلاقي والتعليم الفكري الذي هو الأكمل[15].
5 ـ طبيعة وعمل الكلمات والأسماء التي تعنى وتشير إلى حقائق موضوعية.
6 ـ تفسير الأسماء اللغوي سواء للمصطلحات باللغة العبرية أو اليونانية يقود إلى التفسير الروحي فمثلاً: الأردن يعنى النزول، لذا فهو يشير بحسب أوريجينوس إلى سر التجسد وإخلاء الله اللوغوس، أيضًا مصطلح Sièn صهيون يعنى الكنيسة.
7 ـ الرمزية السرية للأرقام فمثلاً رقم 6 يشير إلى 6 أيام الخلق أي إلى العمل والإبداع، رقم سبعة الراحة، وثمانية هو بداية الحالة العظمى وغير المادية، وعشرة هو الرقم المقدس.
هذه العناصر التي طبقها في التفسير الروحي معروفة لدى الكتابات الأفلاطونية والرواقية والأسكندرية وعند فيلون اليهودي وقد كيّفها أوريجينوس في الإطار المسيحي.
هـ الأساس الخريستولوجي الروحي:
إن أوريجينوس لم يطبق آليًا المبادئ الفلسفية والأدبية اللغوية للتفسير الرمزي اليوناني. لقد كيّف هذه المبادئ بطريقة فريدة في التقليد الكتابي والكنسي، وفق اعتقاده الخاص. هكذا انتهى إلى وجهة نظر مختلفة تمامًا للتفسير الروحي الذي يربط بين الطريقة اليونانية المستخدمة والتقليد المسيحي. لقد كيّف الفكر الأفلاطوني وربطه مباشرةً بالتقليد الكتابي خاصةً مع الإنجيل الرابع عن تجسد الكلمة. فالتجسد لدى أوريجينوس له نتائج تفسيرية أساسية. فوجود الكتاب المقدس كنص هو نتيجة التجسد. بالضبط بسبب تجسده "جُسِد" بطريقة ما في الكتاب. ثم بعد ذلك فإن التجسد يعلن حقيقة أن في شخص المسيح نتعرف على ألوهيته وبشريته. المسيح كإنسان عمل دائمًا كإله. فلو كان كل ما تممه أو قاله إلهيًا فقط، لجهل البشر إنسانيته. وبالعكس، لو كان كل ما تممه أو تحدث به كان بشريًا فقط، لجهلوا عندئذٍ ألوهيته. هذه الفكرة العظيمة سوف تكون فيما بعد العنصر المشترك للتفسير الآبائي الكتابي فإن ما يشير إلى بشرية المسيح يخص ألوهيته، وما يُقال بشريًا عنه يجب أن يفسر "ذهنيًا" أو "روحيًا"، أي فيما يخص ألوهيته. توجد طريقة مزدوجة لعمل الرب في التاريخ، بشريًا وإلهيًا ويجب أن تُفهم أعماله المتماثلة في علاقة بشخصه الواحد والفريد للإله المتأنس. بألوهية المسيح تظهر بشريته. وهذه البشرية هي حقيقته مثل ألوهيته. كل الأعمال البشرية للمسيح تُظهر وتؤكد عمل ألوهيته "بحسب التدبير". هذا الرأي يمثل دافع لصياغة "التفسير التدبيري" الذي سوف يلاقى فيما بعد قبولاً كشرط أو كإلتزام عقيدي تبناه مُعلّمي مدرسة الأسكندرية أمثال القديس أثناسيوس وديديموس وكيرلس بمعونة التعليم الخريستولوجي الكامل الذي لم يعرفه أوريجينوس.
النتيجة التفسيرية الثانية الأساسية للتجسد هي أن أعمال المسيح البشرية هي لأجل الإنسان وخلاصه. بالتالي الأمور البشرية التي حدثت في حياته لا تمثل أهمية في حد ذاتها، كحوادث شخصية معيشية تخص سيرته الذاتية، لكن من أجل حياتنا الروحية وانتصارنا على الشهوات الجسدية. إذن العقائد الخلاصية لها علاقة مباشرة بحياة الإنسان. فعلى سبيل المثال إقامة لعازر بالإضافة إلى أنه حدث تاريخي إلاّ أنه برهان ألوهية المسيح وعمله الإلهي في حياة البشر. فالمسيح بالنسبة لنا هو القيامة، به نتحرر من أهوائنا ونقوم من سقوطنا، ونُشفى من أمراضنا. وبفضل التجسد نرى المسيح يعلن الأمور الإلهية بطريقة بشرية. عندما يتبع المرء الرب إلى جبل التجلي ويصعد مع الثلاثة تلاميذ، عندئذٍ سيرى اللمعان ونور ملابسه، أي سيرى مجده الحقيقي. هكذا يحدث أثناء فهم الكتاب المقدس. فكلمات الكتاب هي الثياب والأقوال هي ملابس للمفاهيم الإلهية. فعندما يجلس المرء أسفل الجبل لا يرى نور الكتاب، أما عندما يصعد على الجبل متبعًا خُطى يسوع يرى مجد المسيح المتجلي والمذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة عن طريق فهم الإعلان الكتابي المستتر في كلمات الكتاب المقدس. وهذه العطية هي للمختارين القليلين الذين يستطيعون أن يتبعوا المسيح في مسيرته نحو الأمور السامية أولئك الذين انحنوا على صدر المعلّم وسمعوا نبضات قلبه. لكن مشاهدة مجد الرب، أو الدخول إلى الحكمة المخفية للكتب المقدسة هو واقع مواهبي شخصي لا يمكن التعبير عنه باللسان ولا شرحه أو التحقق منه بالكلام البشرى.
ارتباط التفسير السري للكتاب بمعاينة مجد الرب ليس مجرد تعبير مجازى لكن نتيجة جوهرية للتجسد. فغموض حرف الكتاب وكذلك الحوادث التاريخية المذكورة فيه لا تخص المفهوم الروحي لكن العنصر الجسدي (المادي) للكتاب. شخص المسيح الواحد يؤمن به بلاهوته وناسوته أي الاتحاد غير المنفصل فيما بينهما. وبالتالي فإن ما يبدو للعامة بأن هناك اختلافات بين الأناجيل تزول فقط عندما نراها في شخص المسيح الواحد المتجسد. فمثلاً هو ابن داود ولكن بحسب الجسد فقط ولكن يظل إلهًا بسبب أنه الكلمة الأزلي ابن الله الذي تجسد. إذن التفسير الروحي يطبق على أساس العلاقة الحية بشخص يسوع المسيح. فالمفسر ينبغي عليه أن يرتمي على صدر المسيح مثل يوحنا التلميذ المحبوب للمسيح ويسمع نبضات قلبه، ويأخذ العذراء مريم أمًا له مثل يوحنا، ويصعد مع الرب على الجبل[16]. وكلما كانت هذه العلاقة صادقة كلما صار تفسير الكتاب صحيحًا وكاملاً.
إذن يسوع ـ في هذا الإطار ـ هو "مفتاح" فهم الكتب المقدسة. فالمسيح نفسه يُعلن ويتحدث في الكتاب، ويظهر هو ذاته. إن حياة يسوع التاريخية ترسم مسيرة الحياة الروحية. ينبغي على المؤمن أن يسلك نحو الألم والصلب لكي ينتهي إلى معاينة القيامة والسمو.
إن المسيح هو المحتوى الفريد والوحيد للكتاب المقدس. وكل مَن يؤمن بالمسيح يتمتع بشركة ألقاب المسيح الكلمة، والحكمة، والقوة، والحق، ... الخ.
النظرة الأنثربولوجية للتفسير الكتابي:
بجانب التفسير الفلسفي واللغوي والتفسير الذي محوره المسيح cristokentrik». لقد تأثر أوريجينوس بالفكر الأفلاطوني عن التكوين الثلاثي للإنسان من جسد ونفس وروح، فشرع في تحديد ثلاث مراحل للتفسير الكتابي. هكذا بحسب أوريجينوس فإن الفهم "الجسدي" للكتاب يُحصر في الفهم الحرفي والتاريخي للكتاب والذي يُرضى البسطاء والملتصقين بالأمور الحسية، وتتم في هذه المرحلة معرفة الأمور الماضية فقط. والفهم النفسي يطلب فهمًا أسمى والذي يتسع لاحتياجات الإنسان النفسية ويخص تشكيل السلوك الأخلاقي في الحاضر. أخيرًا الفهم الروحي أو السري للكتاب يُعلن لذاك الذي يمكن أن يسمع الأمور السامية، المخفية في سر الحكمة والتي تخفى الأمور الأبدية. الإنسان الروحي يرتفع فوق مستوى الأمور الجسدية والمادية إلي مستوى عظمة الحقائق الإلهية، طالما يمر أولاً من التحقيق الدقيق للحرف. هذا السمو هو عطية روحية إلى الكاملين، إلى المؤمنين الحقيقيين، الذين يستطيعون أن يتبعوا آثار المسيح. بينما بحث الحرف هو عمل المعرفة والعلم البشرى، بالعكس الفهم السري للكتاب يحتاج إلى هبة القوة الإلهية والتشبه بالأمور الروحية. أخيرًا "الحكمة بحسب المسيح" تقر بالفهم "الثلاثي" للكتاب، طالما يقر بالحوادث الماضية، ومفهوم الأمور الحاضرة، والخيرات الآتية. هذا هو العارف الكامل للتدبير الإلهي. ولا نستطيع أن نجزم بأن أوريجينوس بهذا التقسيم أراد أن يُصنف المؤمنين ويضعهم في رتب ثلاثة. إن هذه المراحل الثلاثة ليست منفصلة ولكن يمكن أن يمر بها الإنسان المؤمن حتى يصل إلى الفهم الروحي. وإذا نظرنا إلى العظة السابعة لأوريجينوس على سفر اللاويين نجد تفسير "معاقبة مريم ومجد موسى" عندما نقرأ في هذا السفر أن هارون ومريم احتقرا موسى وعاقب الله مريم بالبرص[17]. إذن عند أوريجينوس التفسير الحرفي والتفسير الأخلاقي والتفسير الروحي.
1 ـ التفسير الحرفي:
[يقول الرسول: "هذه الأمور جميعها أصابتهم مثالاً وكتبت لإنذارنا" (1كو11:10) إذن أبحث عن الإنذار المستخرج من الدرس الذي سبق أن قرئ "هارون ومريم احتقرا موسى" ولهذا قد عوقبا. حتى أن مريم أُصيبت بالبرص وهذا العقاب له أهمية كبرى لأنه على مدى الأسبوع الذي كانت مريم فيه مصابة بالبرص كان شعب الله لا يتابع رحلته نحو أرض الموعد، وخيمة الاجتماع لم تنتقل من مكانها].
2 ـ التفسير الأخلاقي: ضد ”الإدانة”:
[ التعليم الأول الذي استخرجه منه تعليم نافع وضروري. هو أنه لا يجب أن "تحتقر أخاك" (مز20:50) أو قريبك. ولا تفتح فاك لتشتم. إني لا أقول فقط عن القديسين لكن أي من كان: عندما أرى مقدار غضب الله ومقدار الانتقام الذي وقعه. ففي المزامير نرى أن الله يغضب بنفس الطريقة ضد هذه الخطية عندما يقول "تجلس تتكلم على أخيك ولابن أمك تضع معثرة" (مز20:50). وأيضًا في مزمور آخر نتعلم أن هذا يحزن الله فوق كل شئ إذ يقول "الذي يغتاب صاحبه سرً هذا أقطعه" (مز1:1).
بمساعدة كل هذه الوصايا من الكتاب المقدس " كمثل سيف ذي حدين" (رؤ16:1) اقطعوا هذه الرذيلة. نتجنب أن ندين إخوتنا وأن نشتم القديسين. حيث أن كل مَن يدين وكل مَن يتكلم بالسوء على أخيه يصاب بالبرص].
3 ـ التفسير الروحي:
[ بعد ذلك نرجع إلى التعليم الروحي أي إلى المعنى السري. لقد سبق أن قلنا عنه بعض الكلمات في العظة السابقة. فنكملها اليوم. انظروا مَن "يهين موسى" مَن يطعنه بالقول؟
ليس اليهود فقط هم الذين احتقروا موسى بل الهراطقة أيضًا الذين لم يقبلوا الشريعة والأنبياء. فمن عاداتهم أن يتهموه بقولهم إن موسى كان قاتلاً لأنه قتل المصري. يطعنونه هم والأنبياء بتجاديف أخرى فاضحة بسبب هذه الانتقادات. لقد أُصيبوا بالبرص في نفوسهم. أصبحوا برصًا في الإنسان الداخلي. ولهذا السبب قد "طردوا من المحلة" من الكنيسة. إذن الهراطقة الذين يسّبون موسى، وكذلك أعضاء الكنيسة الذين يحتقرون إخوتهم ويدينونهم بدون شك يصابون بالبرص في أنفسهم. بشفاعة هارون الكاهن الأكبر شفيت مريم في اليوم السابع لكن نحن إذا أُصبنا بالبرص في أنفسنا بسبب الدينونة، سنظل برصاء ودنسين حتى آخر الأسبوع من هذا العالم أي ليوم القيامة إن لم نصلح أنفسنا في الزمن الحاضر].
X X X
[1] انظر د. نصحي عبد الشهيد، أوريجينوس، مذكرة في مادة مقدمة في علم الآباء، ص4.
[2] لقد عرّب مركز دراسات الآباء 14 عظة سنة 1994، انظر د. نصحي عبد الشهيد، المرجع السابق، ص4؛ أيضًا راجع أثناسيوس (راهب من الكنيسة القبطية)، فهرس كتابات آباء الأسكندرية (الكتابات اليونانية)، الطبعة الأولى يناير 2003م، ص 59ـ138.
[3] يوسابيوس، تاريخ الكنيسة: VI:3.
[4] يوسابيوس، تاريخ الكنيسة VI25,1-104.
[5] المبادئ I,3,7. IV2,7.
[6] انظر ضد كلسوس VII7.
[7] فيلوكاليا 12:7.
[8] يوستنوس الدفاع الأول:36.
[9] المبادئ IV1,6.
[10] ضد كيلسو VI10.
[11] المبادئ IV2,3.
[12] Up Iez ccniii 17.في تفسيره لسفر حزقيال
[13] UpIw cccii 18.في تفسيره لإنجيل يوحنا
[14] k.kels. II69.ضد كيلسو
[15] Up Iw ni 19.في تفسيره لإنجيل يوحنا
[16] فيلوكاليا 19:15. تفسير يوحنا 4:10.
[17] انظر تفسير سفر العدد لأوريجينوس، إصدار مركز دراسات الآباء، يناير 1994، ص72.